فضلًا عن غيره فإن عدم إبصارهم إياه أولى حيث لم يبصروا هنا هُوَ معتاد السلوك فَكَيْفَ
يبصرون الغير المعتاد طريقًا كان أو غيره .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ(67)
قوله: (وَلَوْ نَشاءُ) أي مسخهم لمسخناهم وصيغة الْمُضَارِع مع أن الْمَعْنَى عَلَى
المضي لما مَرَّ ولإفادة أن عدم المسخ لاسْتمْرَار عدم المشيئة فيفيد اسْتمْرَار انتفاء المشيئة لا
انتفاء اسْتمْرَار الْفعْل .
قوله: (بتغيير صورهم وإبطال قواهم) هُوَ معنى المسخ الحقيقي فيلزمه إبطال القوى
في الأغلب ولذا قال وإبطال قواهم لقَوْله تَعَالَى: (فما استطاعوا) الآية.
والمسخ هنا يتحقق معه إبطال القوى والقدر وإلا فالمسخ قد يوجد مع بقاء القوى والقدر.
قوله: (مكانهم) المكانة والمكان بمعنى واحد هنا كالمقام والمقامة وقد [تكون]
المكانة بمعنى المرتبة والمنزلة قَوْلُه تَعَالَى: (مكين) من المكانة بمعنى
المرتبة .
قوله: (بحَيْثُ يجمدون فيه، وقرأ أبو بكر «مكاناتهم» ) بالجيم والدال المهملة مبنيًا
للمَفْعُول من الانجماد وكونه مبنيًا للفاعل محتمل وهذا منفهم من قوله عَلَى مكانهم ؛ إذ
المسخ عَلَى المكان ومستعل عليه لا يكون إلا بحَيْثُ لا يقدرون عَلَى مفارقة مكانهم
فاتضح تفريع ما استطاعوا عليه، وَأَيْضًا ظهر اعتبار إبطال القوى والقدر في تفسير المسخ لأنه
تفسير المسخ عَلَى المكان دون مطلق المسخ ولو فسره بعد قوله عَلَى مكانتهم لكان أوضح
وقرأ أبو بكر «مكاناتهم» لتعدد المكان بتعددهم وفي قراءة الأكثرين الْمُرَاد الجنس فيفيد
التعدد أيضًا .
قوله: (فما استطاعوا) اخْتيرَ نفي القدرة لأنه أبلغ .
قوله: (ذهابا) أي من مكانهم .
قوله: (ولا رجوعًا) أي ولا رجوعًا إلَى ما جاء منه، وأما الذهاب فلا ينبئ عن سلوك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقرأ أبو بكر «مكاناتهم» جمع مكانة. المكانة والمكان بمعنى كالمقامة والمقام. والْمَعْنَى
لمسخناهم مسخًا يجمدهم مكانهم لا يقدرون أن يبرحوه بإقبال ولا إدبار ولا مضي ولا رجوع.
واختلف في المسخ فعن ابْن عَبَّاسٍ: (لَمَسَخْنَاهُمْ) قردة وخنازير، وقيل حجارة. وعن
قتادة لأقعدناهم عَلَى أرجلهم وأزمناهم .