قوله: (لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة) أَشَارَ إلَى أن معنى وضوحه كونه ظاهرًا
بحَيْثُ لا شك فيه أو بحَيْثُ لا يَنْبَغي أن يرتاب فيه فحِينَئِذٍ يتضح التفريع في قوله:(فلا
تكونن من الممترين)الامتراء الشك والتردد وهو أخف من التَّكْذيب الذي
هو الجزم والإنكار لكن حكمهما واحد وهو الكفر.
قوله: (بالتزلزل مما أنت عليه من الجزم واليقين) أي بالتقلقل والاضطراب وتعلق
عن في عَمَّا أنت عليه باعْتبَار تضمنه معنى الإعراض واليقين إيقان العلم بنفي الشك
والشبهة بالاستدلال، ولذلك لا يوصف علم الباري ولا العلوم الضرورية كذا بينه في تفسير
قَوْلُه تَعَالَى: (وبالْآخرَة هم يوقنون) وعلم النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ بالأحكام وإن
كان عن دليل لكنه ليس بالاستدلال فأحد كلاميه مختل غير تام والاستدلال تعميمه إلَى
الحدس غير مُتَعَارَف فالحق أن اليقين ما يقطع الاحتمال قطعًا سواء كان احتمالًا ناشئاً عن
دليل أو لا، فيتناول العلم الضروري والاستدلالي، وإنَّمَا عطف عَلَى الجزم؛ إذ هُوَ عام لما هُوَ
مطابق للواقع لا تكونن عطف عَلَى لا تكونن فالفاء منسحب إليه فهو تفريع لما قبله كما أن
وضوح الحق متفرع عليه النهي عن الامتراء فيه كَذَلكَ يتفرع عليه النهي عن التَّكْذيب
والتقديم ليكون الْكَلَام عَلَى أحسن النظام من الَّذينَ كذبوا بآيات الله الظَّاهر أنه من باب
وضع المظهر مَوْضع المضمر للتنبيه عَلَى علة الخسران والْقَوْل بأن الْمُرَاد بها غير الْمُرَاد
بالحق يأبى عنه عطف (فتكون من الخاسرين) جواب النفي من قبيل: ما تأتينا فتحدثنا. عَلَى
معنى ما يكون منك نبأ ولا تحديث.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ(95)
قوله: (أَيْضًا من باب التهييج والتثبيت) أي هذا الْكَلَام من قوله:(فلا تكونن من
الممترين)و (لا تكونن من الَّذينَ) الخ. بمداراتهم والتحمل
عنهم والإجابة إلَى طلبتهم كذا قال الْمُصَنّف لكن ترك الأخير أولى:(ولا تكونن من
الَّذينَ)الآية. أَيْضًا مثل قوله: (فإن كنت في شك) الآية. من
باب التهييج والترغيب.
قوله: (وقطع الأطماع عنه) أي أطماع الْمُشْركينَ وهذا الأخير مختص هنا غير عام
لما قبله ولو قال: وأَيْضًا فيه قطع الأطماع لكان أولى ليفيد اخْتصَاصه بهذا وقد أوضح
الْمُصَنّف معنى هذا الْكَلَام في سورة البقرة في قَوْله تَعَالَى:(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ
المُمْتَرِينَ) (كقوله فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ(96)
(ثبتت عليهم) قوله (بأنهم يموتون عَلَى الكفر) فالْمُرَاد بالكلمة حكمه بموتهم عَلَى
الكفر وقضاؤه به. قوله بأنهم بالياء إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالكلمة القضاء. وقيل ذكر هنا إشَارَة
إلى ملاحقة معنى التَّكَلُّم، ولا يخفى ضعفه؛ إذ قوله ولا ينقض قضاؤه نص فيما ذكرنا فإنه