به عَلَى أن الْقُوَّة بمعنى القدرة صرح به علماء الْكَلَام ونقل عن الرَّاغب أَيْضًا قوله
المقتدر أي البالغ في القدرة لأن أصل معناه المتكلف في القدرة وهو يفيد الْكَمَال وهو
الْمُرَاد به حين استعمل في الله تَعَالَى كالمتوحد.
قوله: (يعرفون أنها حق وينكرونها) أَشَارَ إلَى أن الجحد إنكار عن علم وقد يستعمل
لمطلق الإنكار ويمكن أن يراد المطلق هنا؛ إذ لا قطع لإنكارهم عن علم.
قوله: (وهو عطف عَلَى فاستكبروا) يفيد أن إنكارهم لاستكبارهم أو العكس بملاحظة
اللمية والآنية فحِينَئِذٍ يكون قَوْلُه تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا) الآية. اعتراضية عَلَى
أن الواو اعتراضية. وجه الاعتراض الرد عليهم كما عرفته وكون الواو عطفًا عَلَى مقدر وكون
المجموع من الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه اعتراضيًا بعيد.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)
قوله: (باردة تهلك بشدة بردها من الصر وهو البرد الذي يصر أي يجمع) من الصِّر
بكسر الصاد لا من الصَّر بفتح الصاد بمعنى الحر لأن رواية أنهم أهلكوا بالسموم ضعيفة.
قوله: أي يجمع أي بشدة البرد يجمع ظَاهر جلد الْإنْسَان بمعنى يقبضه فينقبض.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
سبحانه لا يوصف بالْقُوَّة إلا عَلَى معنى القدرة فكيف صح قوله (هُوَ أشد منهم قوة) وإنما يصح
إذا أريد بالْقُوَّة شيء واحد؟ قلت القدرة في الْإنْسَان هي صحة البنية والاعتدال والْقُوَّة الشدة
والصلابة في البنية وحقيقتها زيادة القدرة فكما صح أن يقال الله أقدر منهم جاز أن يقال أقوى
منهم عَلَى معنى أنه يقدر لذاته عَلَى ما لا يقدرون عليه بازدياد قدرهم. وقال صاحب الانتصاف:
فسر الزَّمَخْشَريّ القدرة بخلاف ما قاله المتكلمون ثم عاد إلَى تفسيرها بالقدرة وجعل الفرق
بينهما أن قدرة الله لذاته وقدرة المخلوق بقدرته وكمن قال زيد أفضل من عمرو بمعنى سلب
القدرة عن زيد الأفضل والحق إن قدرة العبد مقارنة لفعله لا قبله ولا بعده وغير مؤثرة في
إيجاده وقدرة الله جلت قدرته مؤثرة في جميع المقدورات أزلًا وأبدًا. وقال الإمام في شرح
أسماء الله الحسنى: عَلَى أن الْقُوَّة هاهنا عبارة عن كمال القدرة وعندي أن كمال حال الشيء في
أن يؤثر يسمى قوة وكمال حال الشيء في أن لا يقبل الأثر من الغير يسمى أَيْضًا قوة فإن حملنا
الْقُوَّة في حق الله تَعَالَى عَلَى كونه كاملًا في التأثير في الممكنات كان معنى الْقُوَّة هُوَ القدرة
لأنه تَعَالَى إنما يوجد الممكنات بقدرته وإن حملنا عَلَى الْمَعْنَى الثاني كان معنى قوته كونه ثابتًا
وحقًا لذاته لأن كل ما كان بالذات لا يقبل الأثر.
قوله: يعرفون أنها حق وينكرونها. قال الراغب: الجحود نفي ما في القلب [إثباته] وإثبات ما في
القلب نفيه، يقال جَحَدَ جُحُودًا وجَحْدًا قَالَ تَعَالَى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) .
[وتَجَحَّدَ] تَخَصَّصَ بفعل ذلك، يقال: رجل جَحِدٌ: شحيح قليل الخير يظهر الفقر، وأرض جَحْدَة: [قليلة] النبت.