قَوْلُه تَعَالَى: (أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسرُّونَ وَما يُعْلنُونَ(77)
قوله: (يعني هَؤُلَاء الْمُنَافقينَ) وهم الَّذينَ قَالُوا آمَنَّا حين ملاقاة الْمُؤْمنينَ قدمه؛ لأنهم
أحرى بالتوبيخ قوله (أو اللائمين) من غير الْمُنَافقينَ (أو كليهما) يرى أن هذا أقرب
لحصول توبيخهما معًا، وكذا الاحتمال الأخير لأن تقريع الكل من مقتضيات المقام والواو
للعطف عَلَى مقدر ينساق الذهن إليه في كل احتمال. والْمَعْنَى أينافقون ولا يَعْلَمُونَ(أو
إياهم والمحرفين)أيلومون ولا يَعْلَمُونَ أو يعرفون ولا يَعْلَمُونَ والهمزة للإنكار الواقعي في
الكل. قيل فيه إشَارَة إلَى أنه ليس من تتمة كلامهم بل هُوَ جملة معترضة.
قوله: (ومن [جملتهما] إسرارهم الكفر) فيه إشَارَة إلَى أن (ما) مصدرية لعدم احتياجها
إلى تقدير الضَّمير ولأن الْإخْبَار يعلم بالإسرار (وإعلانهم الإيمان) والإعلان أبلغ من
الْإخْبَار يعلم ما يسرونه وما يعلنون، وذكر الإعلان بعد الإسرار كذكر الرحيم بعد الرحمن
من قبيل التتميم لا الترقي (وإخفاء ما فتح الله عليهم، وإظهار غيره، وتحريف الكلم) .
قوله: (عَنْ مَوَاضعه ومعانيه) عطف عَلَى الكلم أي تحريف معاني الكلم بالتأويل
الزائغ كما مَرَّ بلا تحريف الكلم، وأما تحريف الكلم فبالمحو بالكلية كآية الرجم أو بالتغيير
كتغيير نعت النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى غيره.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكتابَ إلَّا أَمانيَّ وَإنْ هُمْ إلَّا يَظُنُّونَ(78)
قوله: (جهلة لا يعرفون) الْكِتَابَة هذا التَّفْسير موافق لما ثبت في كتب اللغة كالمغرب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: واللائمين غير الْمُنَافقينَ وهم الكفرة الخلص منهم وإلا فلا معنى للترديد بكلمة (أو) فيه
وفي قوله أو كلاهما وهذا الْمُرَاد بالضَّمير في إياهم مجموع الْمُنَافقينَ واللائمين فيكون مرجع الضَّمير
في يَعْلَمُونَ ثلاث فرق مذكورين بعد قوله عز وجل (أَفَتَطْمَعُونَ) . أقول: الأولى أن
يكون هذا الضَّمير أَيْضًا عائدًا إلَى جنس الْمُنَافقينَ الْيَهُود لئلا يختل النظم بتفكيك الضمائر.
قوله: ومن جملتها إسرارهم الكفر الخ. لعل عطف قوله وإخفاء وتحريف عَلَى إسرارهم عَلَى
الكفر وإعلانهم الإيمان استرجاع منه للوجه الأخير من وجوه رجع ضمير يَعْلَمُونَ وهو أن يكون
المرجع المجموع فإن إسرار الكفر واعلان الإيمان فعل الْمُنَافقينَ وإخفاء ما فتح الله عليهم فعل
اللائمين وتحريف الكلم فعل المحرفين.
قوله: جهلة لا يعرفون الْكِتَابَة، وفي الكَشَّاف أميون لا يحسنون الكتب فسر الأمي بالذي لا
يحسن الْكِتَابَة وعلى هذا لا ينافيه تفسير الأماني بالقراءة لأن الأمي من لا يحسن الْكِتَابَة والقراءة
فربما يكتب ويقرأ ولا يحسن، وأما إذا فسر الأمي بمن لا يعرف الْكِتَابَة كما فسر به الْمُصَنّف
فالمنافاة ظاهرة؛ ولذا قال وهَؤُلَاء يناسب وصفهم بالإيمان ويؤيد ما في الكَشَّاف ما روي عن
البخاري ومسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الصلح أخذ الْكتَاب وليس يحسن فكتب هذا ما قضى عليه
مُحَمَّد بن عبد اللَّه، وهذا القدر لا يقدح في التَّسْميَة بالأمي.