شرع شرعه الله تَعَالَى في وقت فهو أنفع لعباده في ذلك الوقت فإذا مضى وجاء وقت آخر
فإن كان الأصلح لعباده أن يشرع فيه حكمًا آخر شرع في حكمًا آخر، وعن هذا اختلف بعض
الفروع باخْتلَاف الأعصار والأمم.
قَوْلُه تَعَالَى: (يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ(39)
قوله: (ينسخ ما يستصوب نسخه) حكمته بحسب مصالح عبده فقوله: (يمحو الله)
جملة تذييلية مقررة لكل أجل كتاب عَلَى ما اختاره الْمُصَنّف في تفسيره، وأما
إذا كان معناه كل وقت مشتمل عَلَى مصلحة لا يعلمها إلا الله تَعَالَى فإذا جاء ذلك الوقت
حدث ذلك الحادث ولا يجوز حدوثه في غيره كما ذكره الإمام مع وجوه أُخر فقوله:
(يمحو الله) بمعنى ينسخ لا يكون تذييلًا بل يكون جوابًا لقول الكفرة ما
هذا النسخ.
قوله: (وَيُثْبِتُ ما تقتضيه حكمته. وقيل يمحو سيئات التائب ويثبت الحسنات مكانها)
أي يثبت بدله ما هُوَ خير منه أو مثله قال تَعَالَى:(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا
أَوْ مِثْلِهَا)الآية. أو بترك ما تقتضيه حكمته مثبتًا غير منسوخ. المحو والْإثْبَات
إما بالنظر إلَى التلاوة والحكم جَميعًا أو إلَى التلاوة فقط أو إلَى الحكم فقط فيندرج فيه
أقسام النسخ بأسرها ويثبت الحسنات مكانها لقَوْله تَعَالَى:(إِلَّا مَنْ تَابَ [وَآمَنَ] وَعَمِلَ عَمَلًا
صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) الآية. عَلَى قول في تفسيره مع
الاشتراط في ذلك العمل الصالح ولا يكفي التَّوْبَة وحدها بناء عَلَى ظَاهر النظم الجليل
فالْمُرَاد التائب الذي يعمل صالحًا [ويحفظ] الحدود دائمًا.
قوله: (وقيل يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء) وهو المباحات لا أجر
فيها ولا وزر كـ قم واقعد هذا عند من يقول بأنها تكتب، وعند البعض لا تكتب. والأول قول
الأكثر. قيل وطعن [الإمام] فيه بأنه تَعَالَى وصف الْكتَاب بقوله(لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا
أحصاها)انتهى. الْمُرَاد بهما السيئة الصغيرة والكبيرة، كَمَا صَرَّحَ به المص في تفسير هذه
الآية. والْكَلَام هنا ما لا يكون ذنبًا صغيرًا أو كَبيرًا.
قوله: (ويترك غيره مثبتًا) أفاد بهذا أن الْإثْبَات في مثل هذه الصورة عبارة عن الترك
وعدم المحو مَجَازًا كما هُوَ الظَّاهر. قوله مثبتًا لتوضيح معنى الترك احتراز عن احتمال الترك
محوا وإن كان بعيدًا وإلا لزم إثبات الثابت، ولا يخفى ضعفه وكذا الْمَعْنَى في صورة
الأحكام الغير المنسوخة فإن إثباته معناه تركه مثبتًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقيل يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء من ثواب وعقاب. مثل قوله أكلت
وشربت دخلت خرجت ونحوها من كلام هُوَ صادق فيه. ويثبت ما فيه ثواب وعقاب. وقال الكلبي:
يكتب الْقَوْل كله إذا كان يوم الخميس طرح فيه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب.