التصديق أقوى من التصديق بالمقال؛ لأنه دلالة الحال وهي أنطق من لسان المقال، وهذا
التصديق وإن كان مَجَازًا بجامع الدلالة لكنه حمله عليه لأنهم صدقوا بالخلق بالْقَوْل
قال تَعَالَى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)
الآية. وتصديقهم بخلقهما مستلزم لتصديق ما خلق أنفسهم فإنهما أصل الكائنات، وهذا
التصديق إنما يعتد به إذا قارن الطاعة لخالقهم وإلا فينزل منزلة العدم لولا تحضيضية
بمعنى هلا والفاء لترتيب التحضيض عَلَى ما قبلها، والتحضيض عَلَى التصديق بالعمل
إنما هُوَ للكفرة فيكون تلوين الخطاب إلَى الْكُفَّار خاصة بعد الخطاب للناس بقوله:
(خلقناكم) ولو أريد الخطاب به للكفار أَيْضًا لا يكون من تلوين
الخطاب بل من قبيل الالْتفَات من الغيبة إلَى الخطاب.
قوله: (أو بالبعث فإن من قدر عَلَى الإبداء قدر عَلَى الإعادة) أو بالبعث عطف عَلَى
قوله: بالخلق بإعادة الجار بقرينة قوله: (أئنا لمبعوثون) فإن من قدر عَلَى
الإبداء الخ. هذا إشَارَة إلَى ترتيبه بالفاء عَلَى ما قبله وقد مَرَّ غير مرة أن الإبداء يدل عَلَى
الإعادة بل الإعادة أهون منه مع برهان عليه، أخَّره لأن الأول أقرب لفظًا ومعنى. أما الأول
فظاهر، وأمَّا الثاني فلأن التصديق يؤدي إلَى التصديق بالبعث أو مسبب عنه.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ(58)
قوله: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ) أي أنظرتم فرأيتم فعلمتم. ما تمنون من الإمناء أصله تمنيون
فاعل فصار تمنون.
قوله: (ما تقذفونه في الأرحام) حاصل الْمَعْنَى؛ إذ معنى الإمناء صب المني بدفق ودفع.
وأَشَارَ إلَى أن (مَا) موصولة حذف عائدها للفاصلة.
قوله: (من النطف) جمع نطفة، وجمع لأن ما عبارة عن النطف بقرينة تمنون.
قوله: (وَقُرئَ بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها) يعني أن منى من الثلاثي
وأمنى من الإفعال بمعنى واحد وهو إسالة المني بدفع.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف. اعلم أن الإمام بين في البقرة وجه الاستدلال
بهذه الأنواع الْمَذْكُورة وأحسن فيها كل الإحسان، وأما وجه الاستدلال بهذه الآية عَلَى صحة البعث
فأن يقال: إن المني إنما يحصل مِنْ فَضْلَةِ الْهَضْمِ الرَّابِعِ وهو شيء منبث في أطراف الأعضاء، ولهذا
يشترك جميع الأعضاء في الالتذاد بلذة الوقاع لحصول [الذَّوَبَان] فيها كلها، ثم إنَّ اللَّهَ سبحانه
وتَعَالَى سلط قوة الشهوة عَلَى البنية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء المنبثة، فالحاصل أن تلك الأجزاء
كانت متفرقة جدَّا أولًا في أطراف العالم ثم إنه تَعَالَى جمعها في بدن ذلك الحيوان فتفرقت في
أطراف بدنه ثم جمعها الله تَعَالَى في أوعية المني فأخرجها ماء دافقًا إلَى قرار الرحم، فإذا كان قادرًا
على جمع هذه الأجزاء المتفرقة وتكوين الحيوان منها فإذا تفرقت بالموت مرة أخرى لا يمتنع عليه
جمعها وتكوينها مرة أخرى. هذا تقرير هذه الحجة.