المعلم عليه صرح به في سورة البقرة في قَوْله تَعَالَى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كلها)
الآية. وجه التمريض أن التسخير بهذا الْمَعْنَى قد وجد فيما معنى والخطاب
هنا يحتاج إلَى تمحل بعيد عن الفحوى، وأَيْضًا أنه لا يلائم قوله (لتجري في البحر بأمره) مع
أن التسخير اسْتعْمَاله في التعليم غير مُتَعَارَف لأنه ليس حَقيقَة فيه والعلاقة بَيْنَهُمَا غير ظاهرة
على أنه لا قرينة صارفة عن الظَّاهر الْمُتَبَادَر وتعداد النعم أوفق به الْمَعْنَى الأول الأعم
التسخير التذليل وجعل الشيء داخلًا تحت الطوع. وقال الراغب: هُوَ القهر عَلَى الْفعْل وهو
أبلغ من الإكراه ظاهره أنه مختص بذوي العقول واسْتعْمَاله في غيرها إظهار كمال قدرته
ووجوب وقوع مراده .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ(33)
قوله: (يدأبان في سيرهما) فسر المفرد أي دائبين بالْجُمْلَة وهي يدأبان إيذانًا بأن
الْمُرَاد الاسْتمْرَار التجددي وبأن اسم الْفَاعل هنا للثبوت والمادة أي الدأب يدل عَلَى العادة
وهي الْفعْل الدائمي أو الأكثر وبمعونة مجموع ما ذكر حسن التَّفْسير الْمَذْكُور وإلا
فالْمُنَاسب عكس ذلك إذا كانت الْجُمْلَة حالًا. قوله في سيرهما مشى فيه عَلَى اصْطلَاح
الحكماء وإلا فلا سير لها بأنفسهما بل كانت معلقة في قناديل بين السماء والْأَرْض بسلاسل
من نور بأيدي الْمَلَائكَة كما قال عطاء، إلا أن يقال الْمُرَاد بالسير التسيير .
قوله: (وإنارتهما) الأولى وإضاءتهما تَغْليبًا للشمس عَلَى القمر، وأما عكسه فلا يخلو
عن الكدر .
قوله: (وإصلاح ما يصلحانه من المكونات) كالأثمار فإن الشمس تنضجها
والقمر يلونها .
قوله: (يتعاقبان لسباتكم) ناظر إلَى الليل أي للقطع عن الإحساس والحركة استراحة
للقوى الحيوانية .
قوله: (ومعاشكم) ناظر إلَى النهار أي لتقلبكم في تَحْصيل ما تعيشون به، والجمل
المتعاطفة بلفظة الواو متحدة في المسند إليه، وأما في المسند فوجود الجامع فيه بخصوصه
خفي يحتاج إلَى تمحل عظيم، فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إن الجامع بَيْنَهُمَا كون الغرض بيان قدرته
تَعَالَى الكاملة ونعمه الواسعة التي ينتظم لها مصالح العباد وبقاء نوعهم إلَى حد من نهاية
الامتداد ؛ إذ خلق السَّمَاوَات وإنزال الماء وإن كان يمكن أن يقال إن الجامع بَيْنَهُمَا خيالي
ولكن الجامع بَيْنَهُمَا وبين التسخير الْمَذْكُور المتعلق بأمور عديدة غير واضح .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ
الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
قوله: (أي بعض جميع مَا سَأَلْتُمُوهُ) أَشَارَ إلَى أن مِن تبعيضية مَفْعُول ثانٍ لـ آنى بمعنى أعطى .