لكون المنقطع مَجَازًا لا داعي له والاكتفاء بالوجه الأجزل في النظم الجليل كالواجب فما
الباعث إلَى مثل هذا التَّكَلُّف .
قوله: (أي لكن من رحمه الله يعصمه) خبر مَحْذُوف لكلمة إلا لكونها بمعنى لكن .
قوله: (بين نوح وابنه) فانقطع ما بَيْنَهُمَا من المجاورة التي في شأن الركوب في السفينة .
قوله: (أو بين ابنه والجبل) فلم يتفق له الصعود حتى ينجو وهذا بناء عَلَى زعمه فلا
ينافي قوله: (لا عاصم) .
قوله: (فصار من المهلكين بالماء) أي كان بمعنى صار عبر بـ كان للمُبَالَغَة كأنه من
المهلكين عَلَى الدوام والثبوت .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ
عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
قوله: (نوديا بما ينادي به أولو العلم وأمرا بما يؤمرون به، تمثيلًا لكمال قدرته) فيه إشَارَة
إلى أن النظم اسْتعَارَة تمثيلية شبهت الهيئة المنتزعة من كمال قدرته عَلَى رد ما انفجر من
الْأَرْض إلَى بطنها وجعله مضمحلًا بحَيْثُ لا يبقى له أثر ولا رسم وقطع انصباب المطر من
السماء وحصول ذلك حين تعلقت إرادته العلية بلا مهلة ولا ريث بالهيئة المنتزعة من أمر
الآمر المطاع وطاعة مأمور مطيع للآمر الذي بأمره بلا توقف فذكر اللَّفْظ المركب الدال
على الهيئة المشبه به وأريد به الهيئة المشبهة. وجه الشبه الهيئة الحاصلة من الانقياد
والامتثال بلا توقف ولا تلعثم وهذا ظَاهر كلام المص لكن فيه اعتبار مَحْذُوف وهو فبلعت
الْأَرْض وأقلعت السماء أشار إليه المص بقوله وانقيادهما .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تمثيلا لكمال قدرته. تعليل لـ نودي وأمر فهو من باب الاسْتعَارَة التمثيلية الملتئم
طرفاها المُسْتَعَار له والمُسْتَعَار منه من أمور متعددة. قَالُوا هذه اسْتعَارَة مكنية حيث شبه الْأَرْض
والسماء بالعقلاء المميزين فاسْتُعيرَوا لهما اسْتعَارَة بالْكِتَابَة وجعل النداء قرينتها اسْتعَارَة تخييلية
ثم رشحت الاسْتعَارَة بالأمر وبالبلع لاختصاصه بالحيوانات لأن البلع إدخال المطعوم في
الحلق بعمل الجاذبة فهو تَرْشيح في ترشيح، وأما الإقلاع فهو مشترك بين الحيوانات والجمادات
فليس تجريدًا ولا تَرْشيحًا، وإنما التَرْشيح في الأمر والبلع. وفي الكَشَّاف نداء الْأَرْض والسماء
بما ينادى به الحيوان المميز عَلَى لفظ التَّخْصِيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر
المخلوقات وهو قوله: يا أرض ويا سماء، ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله
ابلعي ماءك وأقلعي من الدلالة عَلَى الاقتدار العظيم وأن السَّمَاوَات والْأَرْض وهذه الأجرام
العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته
وثوابه وعقابه وقدرته عَلَى كل مقدور وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له وهم يهابونه
ويفزعون من التوقف دون الامتثال له والنزول عَلَى مشيئته عَلَى الفور من غير ريث فكما يرد
عليهم أمره كان المأمور به مَفْعُولًا لا حبس ولا إبطاء. إلَى هنا كلامه. فقوله نداء الْأَرْض مبتدأ
خبره من الدلالة. وقوله: وأن السَّمَاوَات والْأَرْض تفسير بالواو للاقتدار العظيم .