قَوْلُه تَعَالَى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ
الصَّابِرِينَ (142)
قوله: (بل أحَسِبْتُمْ) أي أن أم منقطعة .
قوله: (ومعناه الإنكار) أي إنكار الواقع وبل للإضراب عن التسلية ببيان علل الانهزام
إلى بيان مبادي الفوز بنعيم العقل .
قوله: (ولما لم تجاهدوا) إشَارَة إلَى ما تقدم من أنه لا يقصد في أمثاله نفي العلم بل
القصد إلَى نفي المعلوم كناية عَلَى طريقة البرهان وقد أوضحناه آنفًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بل احَسِبْتُمْ يعني في كلمة (أم) هنا منقطعة بمعنى بل والهمزة والاسْتفْهَام للإنكار بمعنى لا
يَنْبَغي لكم أن تحسبوا[قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: فِي (أَمْ حَسِبْتُمْ) إِنَّهُ نَهْيٌ وَقَعَ بِحَرْفِ
الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي يَأْتِي لِلتَّبْكِيتِ، وَتَلْخِيصُهُ: لَا تَحْسَبُوا أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْكُمُ الْجِهَادُ] قَالُوا فيه
بحث. أما أولًا فلأن (أَمْ حَسِبْتُمْ) إذا كان فيه معنى الإنكار كان معناه ما كان
يَنْبَغي أن يقع الحسبان ووقوعه منهم غير محقق، وأما ثانيًا فلأنه عَلَى تقدير وقوعه لا يقتضي للإنكار
لكونه من أفعال الْقُلُوب. سلمناه ولكن لعفو جائز عند أهل السنة، ومثله غير منكر. ويمكن أن يجاب
عن الأول بأنه إن كان واقعًا منهم فلا كلام فيه، وإن لم يكن فقد نزلوا منزلة من حسب ذلك مُبَالَغَة.
وعن الثاني بأن الإنكار لم يتوجه إلَى الحسبان فقط بل إليه وإلى ترك المجاهدة، ومثله منكر وجواز
العفو لا يجوز الإقدام عَلَى المنكر كما في الكبائر .
قوله: ولما تجاهدوا. يريد أن مجموع قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) بمعنى ولما تجاهدوا فيكون المنكر حسبانهم دخول الجنة حال كونهم غير مجاهدين
فنفي علم الله بذلك مجاز عن نفي جهادهم عَلَى ما ذكر فيما تقدم. قال صاحب الكَشَّاف:(وَلَمَّا
يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ)بمعنى ولما تجاهدوا لأن العلم متعلق بالمعلوم
فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقة؛ لأنه منتف بانتفائه. إلَى هنا كلامه. قيل يجوز أن يكون كلامه هذا
جواب سؤال مقدر تقديره أن هذا نفي للعلم ببعض الأشياء وهو ينافي إحاطة علمه تَعَالَى بجميع
الأشياء. وتقرير الْجَوَاب أن (لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) معناه لما
يجاهدوا يعني أنه كناية عن نفي المعلوم؛ لأن كل معلوم يقتضي علمًا من الله وبالعكس فإذا انتفى
اللازم انتفى الملزوم، وفيه كلام قد تقدم وهو أنه ينافي ما ذكره الزَّمَخْشَريّ في قوله تَعَالَى:
(ولَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أنه في الله تَعَالَى مجاز وفي غيره كناية، وقال صاحب
الانتصاف التَّعْبير عن نفي المعلوم بنفي العلم خاص بعلم الله تَعَالَى ؛ إذ يلزم من عدم تعلق علمه
بوجود شيء عدم ذلك الشيء، ولا كَذَلكَ علم المخلوقين فلا يعبر عنه بذلك لعدم اللزوم.
ويظهر من كلام الزَّمَخْشَريّ جواز ذلك مُطْلَقًا؛ لأنه قال في قول فرعون:(مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ
إِلَهٍ غَيْرِي)عبر عن نفي المعلوم بنفي العلم. أقول: المعتبر في علاقة الْمَجَاز
والكناية اللزوم العادي لا العقلي وهذا القدر من اللزوم حاصل في المخلوقين. فإذا قلت: ما