قوله: (الضَّمير للعباد لأنهم معلومون أو للضالين) لأنهم معلومون؛ إذ البعث من
شأنهم أو للضالين والتَّخْصِيص لأن الْكَلَام فيهم قبل فيكون عطفًا عَلَى (واغفر لأبي) ومن
تتمته فإن الْمَعْنَى ولا تخزني يوم يبعث الضالون، والحال إن أبي منهم، وهذا معتبر في الأول
أَيْضًا؛ إذ الْمَعْنَى ولا تخزني يوم ببعث النَّاس كافة، والحال إن أبي من زمرة الضالين وهذا بناء
على الاحتمال الأخير والأمر في الاحتمالات البواقي مفوض إليك وإن الْمُنَاسب كون
مرجع الضَّمير النَّاس فيها والضالين في الاحتمالين الأخيرين.
قَوْلُه تَعَالَى: (يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ(88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)
قوله: (أي لا ينفعان أحدًا إلا مخلصًا سليم القلب) أي لا ينفعان أحدًا إشَارَة إلَى
أن الاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل فيفيد القصر. إلا مخلصًا الخ. حاصل الْمَعْنَى وتفسير
لـ (مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) فإذا سلم القلب الذي هُوَ الملك المطاع في الجسد سلم سائر
الأعضاء ولذا اكتفى به.
قوله: (عن الكفر وميل المعاصي وسائر آفاته) عن الكفر الخ. وإسناد السلامة إلَى
القلب مجاز عقلي فإن السلامة عن الكفر وغيره وصف لصاحبه لكن محله القلب كالإيمان
فأسند السلامة إليه.
قوله: (أو لا ينفعان إلا مال من هذا شأنه وبنوه) ففيه مضافان مقدران أي المال وبنون
فحِينَئِذٍ لا يكون الاستثناء مفرغًا بل يكون مُسْتَثْنَى من مال وبنون لأنهما لوقوعهما في سياق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأنهم معلومون، فلكونهم معلومين بأن يبعثوا كانوا في حكم الْمَذْكُورين فلا يلزم
الإضمار قبل الذكر.
قوله: أي لا ينفعان أحدًا إلا مخلصًا. يعني أن محل من في (إلا من أتى الله) إما نصب عَلَى
أنه مَفْعُول ينفع والْمُسْتَثْنَى منه مَحْذُوف والْفعْل فارغ للمُسْتَثْنَى، فالْمَعْنَى لا ينفع مال ولا بنون أحدًا
إلا مخلصًا سليم القلب، وإما رفع عَلَى أنه بدل من مال وبنون عَلَى حذف الْمُضَاف، فالْمَعْنَى لا ينفع
مال ولا بنون إلا مال من أتى الله بقلب سليم وبنوه، فإن ماله وبنيه ينفعانه يَوْم الْقيَامَة؛ لأن من رزق
في الدُّنْيَا سلامة قلب يصير جل همه بل كله مصروفًا إلَى أمر الْآخرَة فينفق ماله في سبيل الخير
ويرشد بنيه عَلَى الخير، وفي الكَشَّاف ومعنى سلامة القلب سلامته من آفات الكفر والمعاصي. قال
الإمام: الْمُرَاد[سَلَامَةُ الْقَلْبِ عَنِ الْجَهْلِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَمَا أَنَّ صِحَّةَ الْبَدَنِ وَسَلَامَتَهُ عِبَارَةٌ عَنْ
حُصُولِ مَا يَنْبَغِي مِنَ الْمِزَاجِ وَالتَّرْكِيبِ وَالِاتِّصَالِ وَمَرَضَهُ عِبَارَةٌ عَنْ زَوَالِ أَحَدِ تِلْكَ الْأُمُورِ
فَكَذَلِكَ سَلَامَةُ الْقَلْبِ عِبَارَةٌ عَنْ حُصُولِ مَا يَنْبَغِي لَهُ وَهُوَ الْعِلْمُ وَالْخُلُقُ الْفَاضِلُ وَمَرَضُهُ عِبَارَةٌ عَنْ
زَوَالِ أَحَدِهِمَا فَقَوْلُهُ: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنِ الْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ وَالْمِيلِ إِلَى شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا]
ويتبع ذلك الأعمال الصالحة إذ من علامة سلامة القلب تأثيرها إلَى الجوارح.