الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) وقدم الأول لشرافتهم فعلم منه أن هذا
الْكَلَام الكريم الشريف فيه اختصار لطيف .
قوله: (ما يجب إصلاحه عَلَى ما شرع لهم) لا عَلَى قضية العقل فإن العقل لا يحكم
بالحسن والقبح. وحاصله لمن آمن باللَّه وصفاته وسائر ما يجب الإيمان به، وأصلح وعمل
عملا صالحا .
قوله: (من العذاب) وإن كان لهم خشية إجلال .
قوله: (بفوات الثواب) وإن كان لهم حزن بفوات كثير الثواب كما ورد في الأخبار
والآثار.
[قَوْلُه تَعَالَى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ(49) ]
(والَّذينَ كذبوا) عطف عَلَى من آمن الخ. قسيم له كأنه قيل فمن لم
يؤمن ولم يصلح بل كذبوا بآياتنا جَنانًا ولسانًا أو جَنانًا فقط .
قوله: (جعل العذاب ماسًا لهم) مع أن الْمُتَبَادَر كون الماس ذا قصد مع أن العذاب
ليس كَذَلكَ .
قوله: (كأنه الطالب للوصول إليهم) إشَارَة إلَى أن الْكَلَام فيه اسْتعَارَة تبعية أو سْتعَارَة
مكنية وتخييلية شبه العذاب بالحي المريد، وإسناد المس إليه تخييلية وهذا موافق لتقرير
المص حيث قال: كأنه أي العذاب كالطالب، ولا وجه لكونه اسْتعَارَة تبعية، إلا أن يقال: إن
يمس مُسْتَعَار للإصابة وهو لا يوافق بيان المص. وقال المحشي الفاضل: إن المس ليس من
خواص الأحياء حتى يلزم ما ذكروه وإنما هُوَ تلاقي الجسمين من غير حائل بَيْنَهُمَا.
والْجَوَاب أن تلاقي الجسمين ليس بفعلهما في غير الأحياء وإنَّمَا هو بفعل الأحياء فإن أريد
بتلافي الجسمين التلاقي بفعل أنفسهما فلا بد من التوجيه الذي ذكره المص أو نحوه، وإن
أريد به التلاقي بفعل غيرهما فلا يضرنا. وبالْجُمْلَة اقتضاء المس الحقيقي القصد والإرادة من
أجلى البديهيات وكلام الزَّمَخْشَريّ يشعر بأن المس صفة للحي ويعينه قولهم إن الْقُوَّة
اللمسية والمسية من قوى الحيوانية. ويخدشه أنه يجوز للنار والعذاب ؛ إذ البينة ليست بشرط
عندنا، كَمَا صَرَّحَ به في سورة الفرقان في قَوْله تَعَالَى: (إذا رأتهم من مكان بعيد)
الآية. وفي الحواشي السعدية هناك تفصيل فليراجع إليه. ثم الظَّاهر أن أحوال
عصاة الموحدين لم يتعرض لها هنا كما هُوَ كَذَلكَ في أكثر المواضع من تقسيم المكلف
إلى قسمين مؤمن مطيع وكافر فاسق ولم يتعرض لمؤمن فاسق .
قوله: (واستغنى بتعريفه عن التوصيف) يعني لم يجئ العذاب الأليم أو العظيم لما ذكر
إذ التعريف لكونه للعهد يفيد ما أفاده الوصف، وذكر الوصف في بعض المواضع لمزيد التهويل .
قوله: (بسَبَب خروجهم عن التصديق) أي الباء للسببية أو للبدلية و (ما) مصدرية
والتعرض له هنا دون الفريق الأول للإشعار بأن فلاحهم ودخولهم الجنة لمزيد التفضل لا
بالعمل فإنهم كأجير أخذ الأجرة قبل العمل، وذكره في بعض المواضع لوعده تَعَالَى: (وأما