تحريضًا عَلَى الشكر وترغيبًا في الفكر، لكن الأولى بترك المسارعة إلَى العقاب بدل بترك
المعاجلة ؛ إذ العجلة عبارة عن إتيان الأمر قبل وقته .
قَوْلُه تَعَالَى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ
فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ
يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)
قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا) خص النداء بالْمُؤْمنينَ اعتناء بشأنهم وإلا
فالنهي عام لكل المكلفين .
قوله: (لا تتبعوا) الاتباع الاقتداء بالداعي الذاهب في جهة حسية
كانت أو معنوية باقتفاء أثره في الذهاب في تلك الجهة فالمتبع في الْحَقيقَة نفس الداعي
سواء كان داعيًا إلَى الخير أو إلَى الشر وسواء كان دعوته مقالًا أو حالًا، وإنَّمَا جعل الأثر
متبعًا في بعض المواضع وأضيف الاتباع إليه للمُبَالَغَة بتنزيله منزلة الداعي، ومن هذا القبيل
قَوْلُه تَعَالَى: (لا تتبعوا خطوات الشَّيْطَان) والْمَعْنَى لا تقتدوا به في إشاعة
الفاحشة ففيه مجاز عقلي حيث أوقع الاتباع عَلَى غير ما هُوَ له للملابسة .
قوله: (بإشاعة الفاحشة) إشَارَة إلَى الارتباط بما قبله لكن هذا لا يلائم التعبير بالجمع
إلا أن يراد إشاعة الفاحشة الصادرة من أشخاص كثيرة، ولو قال اعتقادًا وفعلًا وقولًا ومن
جملتها إشاعة الفاحشة لكان أسلم من التمحل وأوفق بعبارة الجمع فلا مفهوم بأن النهي
عن الجميع لا يستلزم النهي عن كل فرد فرد كمفهوم قولنا: لا رجال في الدار يفهم منه أن
في الدار رجلًا أو رجلين؛ لأن النهي عن كل فرد فرد مفهوم منه بدلالة النص فإن علة النهي
أمره بالفحشاء والمنكر فهي جارية في كل فرد فرد .
قوله:(وقرأ نافع والزي وأبو عمرو وأبو بكر وحمزة بسكونها وَقُرئَ بفتح الطاء
والخاء)بسكونها أي بسكون الطاء، وإنَّمَا جاز لأنها مذكورة في ضمن خطوات. وقيل الضَّمير
راجع إلَى الخطوات لظهور ما يسكن فيها لا للطاء حتى لا يلزم الإضمار قبل الذكر وهذا
عجب، والخطوة ما بين قدمي الخاطئ. وَقُرئَ بفتح الطاء أي مع ضم الخاء تخفيفًا وقد مَرَّ
التَّفْصيل في سورة البقرة، وإن كان الْمُرَاد بفتح الطاء مع فتح الخاء، كَمَا صَرَّحَ به في سورة
البقرة يكون جمع خطوة وهي المرة من الخطو، ومآل القراءتين واحد لكونه استعارة
للوساوس فإنها أثر صادر من الشَّيْطَان لكنه معنوي فاسْتُعيرَ له أثر حسي للخاطئ وهو
الخطوة بالضم، وكذا الحال إذا كان مصدرًا اسْتُعيرَ لإلقائه الوسوسة .