قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ
وَمِنْها تَأْكُلُونَ (21)
قوله: (تعتبرون بحالها وتستدلون بها) أي العبرة اسم ما يعتبر به، والْمُرَاد هنا
الاستدلال بحالها كأنه أَشَارَ إلَى أن الْمُضَاف وهو الحال مقدرًا والحال مُسْتَفَاد من الظرفية
فقوله ويستدلون عطف تفسير لما قبله وضمير بها راجع إلَى الحال .
قوله: (نسقيكم) اسْتئْنَاف مبين للعبرة ولذا ترك العطف .
قوله: (من الألبان أو من العلف، فإن اللبن يتكون منه فمن للتبعيض أو للابتداء)
من الألبان كما قال في سورة النحل (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا)
الآية. وتمام التَّفْصيل هناك. قوله أو من العلف ظاهره يخالف ما في سورة
النحل والاعتذار وهذا مما يحتمله النظم لأنه الْمُنَاسب لكونها في بطونها ؛ إذ اللَّبَن في
الضرع دون البطن غير تام ؛ إذ الآية يفسر بعضها بعضًا واللَّبَن ينزل من البطن إلَى الضرع
فالْأَوْلَى تَرْكُه والضَّمير في بطونها للأنعام. وجه التأنيث هنا والتذكير في سورة النحل قد
فصله المص هناك فيكون من نسبة ما للبعض وهو الإناث من الأنعام إلَى الكل للأمن
من الالتباس، وأما كونه للإناث منها عَلَى طريقة الاسْتخْدَام فمع إباء عموم ما بعده
مخالف لما صرح به المص في سورة النحل حيث بين هناك. وجه تأنيث الضَّمير هنا مع
أن المرجع في الموضعين الأنعام وكون مِنْ لِلتَّبْعِيضِ أظهر ؛ إذ لا يسقي جميع الألبان لنا
ومعنى الابتداء صحيح في كل مَوْضع يكون من فيه للتبعيض حتى ارجع بعضهم جميع
معاني من إلَى الابتداء .
قوله: (في ظهورها وأصوافها وشعورها) تنبيه عَلَى عموم الأنعام إلَى الأزواج الثمانية
التي مذكورة في سورة الأنعام لا مَخْصُوص بالإبل وتَخْصيص صاحب الكَشَّاف بالإبل لأنها
أكمل أفراده أو لأنها كالمثال له لشهرتها في العرب ولم يذكر المص الأوبار لظهور تناول
الأنعام بالإبل. وبالْجُمْلَة يمقي اللَّبَن من بطون الأنعام شامل للإناث من الأزواج الثمانية ولما
كان السقي من أعظم المنافع جعل مقابلًا لقوله: (ولكم فيها منافع) .
الآية. كأنه لعظمها نوع مغاير لها .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تعتبرون بحالها وتستدلون بها. أي تستدلون بها عَلَى كمال صانعها .
قوله: فمن للتبعيض أو للابتداء. أي لفظة من في مما [للتبعيض] عَلَى الوجه الأول لأن المسقى
بعض الألبان وللابتداء عَلَى الوجه الثاني لأن العلف ليس مما يسقى لكنه مبدأ للسقي من حَيْثُ إن
اللَّبَن يتكون منه .