الهداية وحمل المشيئة الْمَذْكُورة عَلَى القسر والإلجاء وقال لأن تعقيب (فذوقوا)
بنسبة النسيان إليهم وجعله سببًا للإذاقة دال عَلَى أن المشيئة المطلقة مقيدة
هنا بقيد الإلجاء والقسر، ولا يلزم من انتفاء المشيئة القسرية انتفاء المشيئة عَلَى سبيل
التفويض، فرده المص بأن الْمُرَاد مطلق المشيئة؛ إذ لا قرينة عَلَى التَّقْييد وما ذكره من القرينة
وهي قَوْلُه تَعَالَى: (فذوقوا العذاب) سيجيء جوابه. فعدم المشيئة سبب
لعدم إيمانهم ومسبب عن سبق حكم اللَّه تَعَالَى؛ إذ لا مانع من تسبب أزلي لأزلي آخر
واستوضح بالتكوين وسائر الصفات فإنه يقتضي التقدم الرتبي والطبيعي دون الزماني
والعدم الْمُضَاف إلَى الملكات يحتاج إلَى السبب ويتعلق به الإيجاد، كَمَا صَرَّحَ به المص
في أوائل سورة الأنعام. واللام في (لأملأن) جواب القسم الْمَذْكُور:
(من الجِنَّة) قدمت لأنهم أقدم وجودًا وطغيانًا ولذا قدمت كلما
جمعت مع الإنس. وقيل لأن المقام مقام تحقير (أَجْمَعينَ) أي من
عصاتهما أَجْمَعينَ أو منهما أَجْمَعينَ لا من أحدهما. أي لأملان من ذينك النوعين جَميعًا
أو لعموم الأفراد من عصابتهما.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)
قوله: (ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسببًا عن نسيانهم العاقبة وعدم تفكرهم فيها
بقوله: (فَذُوقُوا) الخ. ولا يدفعه الخ. أي لا يدفع كون عدم المشيئة سببًا
لعدم إيمانهم ومسببًا عن سبق القضاء جعل ذوق العذاب مسببًا عن نسيانهم العاقبة الخ.
قوله: (فإنه من الوسائط والْأَسْباب المقتضية له) علة لعدم لدفع أي فإنه أي
النسيان الْمَذْكُور من الوسائط المقتضية للذوق الْمَذْكُور وليس من السبب الحقيقي حتى
يعارض كون عدم المشيئة وسبق قضائه سببًا لعدم إيمانهم، وكلمة الفاء في (فذوقوا)
تدل عَلَى أن سبب الذوق ما سبق والباء في قَوْله تَعَالَى: (بما نسيتم)
للإشعار بأن تعذيبهم ليس لسبق القضاء وسبق الوعد فقط بل هُوَ سبب
حين كان مقارنًا سبب موجب بسَبَب الوعيد من قبلهم باختيارهم كأنه حق وثبت
وعيدي فإذا كان الأمر كَذَلكَ فذوقوا بسَبَب المعاصي المسببة عن نسيانكم لقاء هذا
اليوم الذى تشخص فيه الأبصار. والحاصل أن النسيان علة للذوق المعلل فالنسيان سبب
للسبب في الْحَقيقَة، وله نظائر كثيرة في الْقُرْآن المجيد وفي كلام البليغ الحميد فلا يكون
هذا قرينة عَلَى تَقْييد المشيئة بالإلجاء والقسر كما زعم الزَّمَخْشَريّ. وهذا هُوَ الموعود
فيما سبق من أن ما زعم أنه قرينة سيجيء جوابه، وهذا هُوَ الظَّاهر من كلمة الفاء فإنه
داخل في المسبب والسبب ما قبله، والزَّمَخْشَريّ قد [[اعترضه] ] في مثل هذا الْكَلَام. والذوق
مُسْتَعَار هنا تهكمًا.