وللتوبيخ بالتبعيد عن درجة الخطاب إن قيل بأن فيه التفاتًا مع ملاحظة علة التبعيد .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وَفي الْآخرَة حَسَنَةً
وَقنا عَذابَ النَّار (201)
قوله: (يعني الصحة والكفاف وتوفيق الخير) الصحة أي صحة البدن ضد المرض
البدني وصحة الاعتقاد والأخلاق ضد المرض المعنوي، قدمها لأنها موقوف عليها لسائر
النعم والكفاف بفتح الكاف الرزق الذي يكف عن السؤال عن النَّاس وطلبه ممدوح والقناعة
به محمود؛ ولذا ورد في الْحَديث الشريف"اللهم اجعل رزق آل مُحَمَّد كفافًا"قدمه لأن قوام
البدن به وتوفيق الخير الْمُرَاد بالتوفيق المصدر المبني للمَفْعُول لأنه الموافق للصحة
والكفاف، وكذا الْمُرَاد بالجعل المصدر المجهول في تفسيره بجعل الْأَسْباب مهيأة لتَحْصيل
ما هُوَ خير في الدارين من الاعتقادات والْأَعْمَال والأخلاق والأحوال وإن أريد به المصدر
المبني للفاعل فهو صفة للَّه تَعَالَى ومعنى طلب إعطائه باعْتبَار تعلقه .
قوله: (يعني الثواب والرحمة) عطفها عَلَى الثواب للتنبيه عَلَى أن الثواب أي حسن
الْجَزَاء في الجنة الأعلى تفضل من الله تَعَالَى وإحسان لا في مقابلة الْأَعْمَال المرضية سواء
بالجوارح أو الجَنان عَلَى التحقيق والبرهان وقدم السؤال الأول لكون الحسنة في الدُّنْيَا
ذريعة للحسنة في العقبى بمقتضى الوعد وموجب العهد فلا ينافي ما سبق وقَوْلُه تَعَالَى:
(جَزَاءً منْ رَبّكَ عَطَاءً حسَابًا) كالصريح فيما ذكرناه .
قوله:(بالعفو والمغفرة، وقول علي - رضي الله تَعَالَى عنه - الحسنة في الدُّنْيَا المرأة
الصالحة وفي الْآخرَة الحوراء وعذاب النَّار المرأة السوء)فعذاب النَّار مُسْتَعَارًا للمرأة السوء
بجامع الأذى والمصاحبة في كل الآناء .
قوله: (وقول الحسن الجنة في الدُّنْيَا العلم والْعبَادَة وفي الْآخرَة الجنة(وقنا عذاب
النَّار)معناه احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إلَى النار) فعذاب النار
[حِينَئِذٍ] . مجاز أَيْضًا لكنه هنا مَجَاز مُرْسَل ذكر المسبب وأريد السبب. قوله: المؤدية إلَى النار
باعْتبَار الوعيد، وأما ما اختاره المص فبناء عَلَى كمال اللطف لأنه طلب العفو أي العفو
والمغفرة أي الستر مع الذنوب المؤدية إلَى النَّار بمقتضى الوعد، وما ذكره مَوْلَانَا علي رضي
الله تَعَالَى عنه فبناء عَلَى تمام التعبد والتقرب والبعد عن وسخ الآثام ودنس المناهي
والتمسك بذروة الْإسْلَام .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وقول علي رضي الله عنه وما عطف عليه مبتدأ. خبره قوله أمثلة. للمراد بها أي أمثلة
للذي أُريد بالحسنة .