قَوْلُه تَعَالَى: (أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ(39)
قوله: (عهود مؤكدة بالأيمان) ولما [كانت] الأيمان دالة عَلَى العهود بمعونة المقام أشار
الْمُصَنّف إلَى أن الْمُرَاد بالأيمان عهود الخ. مَجَازًا بذكر الجزء القوي وإرادة الكل لا بذكر
اللازم وإرادة الملزوم فإنه لا لزوم بَيْنَهُمَا.
قوله: (متناهية في التوكيد، وقرئت بالنصب على الحال والعامل فيها أحد الظرفين)
متناهية في التوكيد أي تأكيدًا لا فوقه تأكيد وهذا معنى متناهية في التوكيد وهو معنى بالغة
فإن معناه بالغة أقصى ما يمكن فحذف منه لدلالة البلوغ عليه مع الاختصار، والْمُرَاد بأحد
الظرفين لكم أو علينا وهو الظَّاهر لقربه والعامل في الْحَقيقَة متعلق الظَّرْف فهو حال من
الضَّمير المستتر في الظَّرْف المنتقل من عامله
قوله:(متعلق بالمقدر في لَكُمْ أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا نخرج عن [عهدتها]
حتى نحكمكم في ذلك اليوم) أي ثابتة لكم علينا الخ. وثابتة أَيْضًا في يَوْم الْقيَامَة بناء عَلَى
أن الغاية داخلة في حكم [المغيا] . قوله لا نخرج الخ. إشَارَة إلَى ما ذكرناه. قوله حتى نحكمكم
حتى نجعلكم حاكمًا في ذلك اليوم فنخرج عن [عهدتها] .
قوله: (أو متعلق بـ بالِغَةٌ أي أيمان تبلغ ذلك اليوم) أي واصلة إليه فـ [حِينَئِذٍ] يفوت
المُبَالَغَة الْمَذْكُورة.
قوله: (جواب القسم لأن معنى أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا أم أقسمنا لكم) لأنه بمعنى العهود
المؤكدة بالإيمان فباشتمالها الأيمان يجاب بما يجاب به القسم المحض.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والعامل فيها أحد الطرفين. فالتقدير أم حصل لكم علينا أيمان بالغة، أو أم لكم أيمان
كائنة علينا بالغة.
قوله: حتى نحكمكم. أي حتى نجعلكم حكمًا فيه، من حكمته في [مالي] إذا جعلت إليه
الحكم فيه.
قوله: أي أيمان تبلغ ذلك اليوم. فلفظ إلَى لتضمين البلوغ معنى الانتهاء. قال صاحب الكَشَّاف:
(إلى يَوْم الْقيَامَة) متعلق بالمقدر في الظَّرْف أى: هي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا [تخرج] عن
عهدتها إلا يومئذ إذا حكمناكم وأعطيناكم ما تحكمون. ويجوز أن يتعلق بـ بالغة، على أنها تبلغ ذلكم
اليوم [وتنتهي] إليه وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه من التحكيم. قال الطيبي: فإن
قلت لم قال في الوجه الأول لا [تخرج] عن عهدتها إلا يومئذٍ وفي الثاني وافرة لم تبطل منها يمين؟
قلت لأنه إذا علق إلَى يَوْم الْقيَامَة بالقدر لكم يدخل الأجل في حكم الوجوب المُسْتَفَاد من نفس
الخير ومتعلقة أعني لكم أصالة وإذا علق بـ بالغة وهي صفة للأيمان يكون الْكَلَام أصالة في الأيمان
وبلوغها إلَى ذلك اليوم وأن تكون محفوظة من النقصان مؤداة وافية تامة أَلَا [تَرَى] كَيْفَ أهمل معنى
بالغة في الأول واعتبره في الثاني، فقوله إذا حكمناكم شرط جزاؤه ما دل عليه لا [تخرج] عن عهدتها
إلا يومئذٍ تلخيص الْمَعْنَى أم لكم أيمان علينا ثابتة أن نحكمكم بأن تسووا بين الْمُسْلمينَ
والمجرمين ولا [تخرج] عن عهدتها إلا إذا حكمناكم يَوْم الْقيَامَة، أو أيمان وافية فلا نؤديها كاملة إلا
إذا حكمناكم يَوْم الْقيَامَة.