قوله: (في المجمع) إما السحرة أو جنوده وهو الظَّاهر؛ إذ الفاء تقتضي التعقيب وجمع
السحرة في زمان مديد، إلا أن يقال بداية الجمع معقب للإدبار الْمَذْكُور أو يقال إن الفاء
للتفصيل كما قيل.
قوله: (بنفسه) فيكون الإسناد حقيقيًا ولذا قدمه، ولكمال تحيره ترك عادة الملوك
المستكبرين كقوله (فماذا تأمرون) بهره سلطان المعجز حتى حط عن دعوى الربوبية إلَى مؤامرة
القوم [وائتمارهم] وكذا هنا باشر النداء مع أنه مناف للسلطنة فضلًا عن دعوى الربوبية.
قوله: (أو مناد) فيكون إسناد النداء إليه مجازيًا لكونه آمرًا [به] عطف عَلَى الضَّمير في
(فنادى) لوجود الفاصل. وفي نسخة: أو بمناد وهو ظَاهر.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى(24)
قوله: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) وهذا يؤيد كون المنادي نفسه
وعلى الثاني ففيه إيجاز الحذف أي فقال يقول لكم فرعون أنا ربكم الأعلى.
قوله: (أعلى من كل من يلي أمركم) بـ مِن التَّفْضيلية وهو ظَاهر. وفي نسخة: كلَّ من
يلي بنصب كل بنزع الخافض لأن أفعل التَّفْضيل لا ينصب الْمَفْعُول به في غير مسألة
الكحل وهذا أولى من الْقَوْل بأنه مَفْعُول لفعل مقدر أي علوت كلَّ من يلي الخ. وإنما أوله
بذلك لأن كون الْمَعْنَى أنه خالق السَّمَاوَات والْأَرْض وخالقكم ظَاهر الفساد لا يتقوله إلا
مجنون، وإن فرض أنه مجنون لا يصح الدعوة إلَى الدين القويم، فلا جرم أن الْمَعْنَى ما ذكر
سواء كان أنه دهري منكر للصانع أو لا. أما عَلَى الأول فلأنه يزعم أن ليس للعالم إله حتى
يبعث رسولًا بل المربي لكم والمحسن إليكم أنا لا غير، وأما عَلَى الثاني فلأنه وإن اعتقد أن
للكائنات [إلهًا] لكني أسلط لكم وأتصرف في أمركم دون مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ومراده تنفيرهم
عن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لعرفانه أنه سيغلبه ويزيل دولته وملكه.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى(25)
قوله: (أخذًا منكلًا لمن رآه، أو سمعه في الآخرة بالإِحراق وفي الدنيا بالإِغراق) أشار
به أن النكال مصدر للأخذ المقدر فيكون بمعنى المُشْتَق لعدم صحة الحمل عليه إلا أن يراد
المُبَالَغَة. أي مشكلًا ومانعًا عن فعل [مثل] فعله. قال الْمُصَنّف في أوائل البقرة: والعذاب كالنكال
بناء ومعنى تقول أعذب عن الشيء ونكل عنه إذا أمسك. ثم قال: فأطلق عَلَى كل ألمٍ قادح
وإن لم يكن نكالًا أي عقابًا لأنه يردع الجاني عن المعاودة انتهى. فهنا أريد بالنكال الردع
وزجر الغير عن فعل مثل ما فعله كما نبه عليه بقوله منكلًا أي زاجرًا لمن رآه في زمنه أو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أخذًا منكلًا لمن رآه أو سمعه. هذا عَلَى تقدير أن يكون النكال من نكل به تنكيلًا إذا
جعله نكالًا وعبرة لغيره، ولذا قال لمن رآه أو سمعه أي أخذه عبرة لكل من رآه وسمعه فيكون نكالًا
صفة لمصدر منصوب مَحْذُوف بمعنى منكلًا ولذا قال أخذًا منكلًا.