قوله: (لبيان سندهم ومنشأ رأيهم) وهو اتباعهم الظن الفاسد والوهم الكاسد وأنت
خبير بأنه لا يصلح أن يكون علة للعدول عن الخطاب إلَى الغيبة ؛ إذ لو أتي بالخطاب لكان
بيان سندهم حاصلًا له، فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: في وجه العدول إنهم أسقطوا عن الخطاب
لاستحقاقهم الحجاب بعد خطابهم عَلَى طريق العتاب، والنُّكْتَة بناء عَلَى الإرادة والاعتبار
كما لا يخفى عَلَى أولي الأبصار .
قوله: (يكذبون فيما ينسبون إلَى اللَّه) أصل معنى الخراص الحرز بتقديم الزاء
الْمُعْجَمَة بعد الحاء المهملة عَلَى الراء المهملة التخمين والتقدير ويستعمل بمعنى الكذب إذ
التقدير والتخمين لا يكون [كثيرًا] إما مطابقًا للواقع فيكون سببًا للكذب أو ملزومًا له ولا
يضره كون التخمين عامًا للْقَوْل ولغيره؛ إذ الْمُرَاد متعين بمعونة المقام والكذب يستعمل في
الْقَوْل وغيره. قال الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)
والافتراء كما يطلق عَلَى الْقَوْل يطلق عَلَى الْفعْل وكَذَلكَ الاخْتلَاف .
قوله: (أو يحزرون) من باب ضرب ونصر، وإنَّمَا أخّره مع كونه حَقيقَة لأن التسجيل عَلَى
أنهم كاذبون أبلغ في مقام الذم بأنهم مفترون (ويقدرون أنها شركاء تقديرًا باطلًا) وأما معنى
التقدير فلا ذم به إلا إذا كان تقديرًا باطلًا. وهذا وإن كان مرادًا به لكنه ليس بمصرح به مع أنه
يحتاج إلَى تقدير كثير كما أشار إليه. وقد بين في محله أن قرينة الْمَجَاز إذا لم تكن قوية يسوغ
الميل إلَى الْمَجَاز نظرًا إلَى تحقيق القرينة، وإلى الْحَقيقَة نظرًا إلَى ضعفها وكأنها لم توجد فلا
إشكال بأن الْمَجَاز لا يصار إليه ما أمكن الْحَقيقَة.
[قَوْلُه تَعَالَى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) ]
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ) إما
بمعنى خلق و (لِتَسْكُنُوا) علة للخلق أو بمعنى صير وهو الملائم لقوله: (وَالنَّهارَ مُبْصِرًا)
والْمَفْعُول الثاني مَحْذُوف أو صير لكم الليل سكنًا أو لباسًا (لِتَسْكُنُوا فِيهِ) من
السكون ضد الحركة وإن جعل جعل بمعنى خلق كان مبصرًا حالًا وعلته مَحْذُوفة أي لتبلغوا فيه
كما ذكر في مواضع شتى، والنظم يشبه صنعة الاحتباك حيث ذكر في الأول العلة وحذف
الْمَفْعُول الثاني عَلَى تقدير والحال عَلَى تقدير آخر، وفي الثاني كان الأمر بالعكس .
قوله: (تنبيه عَلَى كمال قدرته) إذ إيلاج الضوء في الظلمة وعكسه أدل دليل عَلَى
كمال قدرة صانعه وكمال علمه (وعظيم نعمته) إذ الليل يسكن فيه الخلق للاستراحة عن
متاعب الأشغال والنهار يبتغون فيه من فضله بأنواع المكاسب وهذا نعمة جسيمة ومنحة
عظيمة تدل عَلَى عظيم نعمة منعمها .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو يحزرون. بتقديم الزاي الْمُعْجَمَة عَلَى الراء المهملة بمعنى يقدرون والترديد بيان
محتمل معنى يخرصون فإن الخرص بمعنى الكذب وبمعنى تقدير الشيء يقال خرصت أي حرزت
ثمر النخل، وكم خِرص أرضك بالكسر فقوله: (ويقدرون) عطف تفسير .