السَّمَاوَات والْأَرْض وسائر الجمادات والتَّعْبير بـ (ما) عن ذوي العقول قد مَرَّ وجهه مرارًا [وأن]
ما في قوله وإلى ما لا يتصور فيه عَلَى تحقيق صاحب التوضيح وبياننا عَلَى وجه التحقيق
والتوضيح فتذكر. قوله: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده) تعميم بعد
التَّخْصِيص ويفيد أن التحميد مقدر فيما قبله لدلالة التسبيح، وبحمده حال والواو رابط عَلَى
أن يكون أحدهما باللسان والآخر بالجَنان وتقديم التسبيح لأن التخلية مقدمة عَلَى التحلية.
قوله: (وقرا ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر «يسبح» بالياء) إذ التأنيث غير حقيقي
مع الفصل بلفظ له لاهتمامه ولطول قلل الْفَاعل.
قوله: ( [حيث] لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم) فلا وجه لما قيل الظَّاهر
أنه للْمُؤْمنينَ لأن قوله: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) يقتضي أن يكون الخطاب
لهم لا للمشركين، واختار الأكثرون كون الخطاب للمشركين لأن ما قبله الإنكار عَلَى
الْمُشْركينَ لما أسندوه إليه من اتخاذ الولد فلما نزه عنه قال هذا التنزيه مما شهد به حتى
الجماد بل مما نطق به كافة المخلوقات حتى الجماد، وأما الختام والتكميل بقوله (إنه كان)
الخ. حليمًا. فلما بينه المص وهذا كثير في الْقُرْآن فقوله حين لم يعاجلكم بالعقوبة(لَعَلَّكُمْ
تؤمنون)أو سيولد منكم من آمن (لمن تاب) منكم).
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا(45)
قوله: (يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم) أي يمنعهم عن فهم ما تقرأ عليهم، وهذا
حاصل الْمَعْنَى أو بتقدير مضاف بقرينة (وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) فإن تعليق الحجاب بقراءة الْقُرْآن
يفيد أن الحجاب إما عن سماع الْقُرْآن أو عن فهمه بعد سماعه فحمل الْمُصَنّف عَلَى الفهم
لأنه تَعَالَى أشار بهذا إلَى أنهم مختوم الْقُلُوب لا ينفع لهم الآيات والنذر ونبه الْمُصَنّف عليه
بقوله لكونهم مطبوعين عَلَى الضلال فالْمُرَاد بهم هم الَّذينَ علم اللَّه أنهم لا يُؤْمنُونَ وأنهم
يموتون عَلَى الكفر، وأما كون الْمَعْنَى إنا جعلنا بينك وبين الْمُشْركينَ حجابًا حتى لا يرونك
فضعيف. أما أولًا فلأنه لا يفهم منه أنهم (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهمْ وعلى سمعهم)
وأما ثانيًا فلأنه مختص بشرذمة قليلة مثل أم جميل بنت حرب، كَمَا صَرَّحَ به المعترض
على الْمُصَنّف والظَّاهر عموم الموصول لكل من لا يؤمن، وأما ثالثًا فلأنه لا يلائم ما قبله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
المعاندة ذلك ولا يعاجلهم بالعقوبة. وأشار الله الْمُصَنّف بقوله في تفسيراته كان حليمًا غفورًا
حين [لم] يعاجلكم بالعقوبة عَلَى غفلتكم وشرككم ويؤيده قَوْلُه تَعَالَى:(قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ
السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ [غَفُورًا رَحِيمًا] )فإن هذه الآية في حق
الْمُشْركينَ مع أنه جيء في آخرها (إِنَّهُ كَانَ [غَفُورًا رَحِيمًا] ) . قَالَ الزمخشري في تفسيرها نبه عَلَى
أنهم استوجبوا بمكابرتهم هذه أن يصب عليهم العذاب صبًا لكن صرف ذلك عنهم إنه غفور
رحيم. يمهل ولا يعاجل ومن ذلك علم أن التذييل به لا يدل عَلَى أن الخطاب للْمُؤْمنينَ كما
زعمه صاحب الانتصاف.