قَوْلُه تَعَالَى: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)
قوله: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ) الخطاب للْمُؤْمنينَ الْمَخْصُوصِين .
قوله: (يعني مواطن الحرب) قرينة هذا القيد قوله (ويوم حنين) مع ما
بعده قوله: (وهي مواقعها) بالقاف بعدها عين مهملة أي مَوْضع المحاربة التي تقع فيه
فالتَّعْبير بالمواطن للمُبَالَغَة كأن الحرب توطن فيه كتوطن المتوطن في وطنه، وفي بعض
النسخ مواقفها بالقاف بعدها فاء كما في الكَشَّاف أي محل مصاف الحروب والوقوف لها
وهذا هُوَ الْمُنَاسب وإن كانا متقاربين .
قوله: (وموطن يوم حنين) بتقدير مضاف فلا يلزم عطف الزمان عَلَى المكان هذا أي
عدم جواز عطف الزمان عَلَى المكان ولا عكسه مختار صاحب الكَشَّاف، وتبعه الْمُصَنّف
وظَاهر كلام أبي علي الفارسي ومن تبعه جوازه مُطْلَقًا. وقيل لا منع من نسق زمان عَلَى
مكان وبالعكس إلا أن الأحسن أن يترك العاطف في مثله فقد علمت أن للنحاة فيه ثلاثة
مذاهب. وقال النحرير ليس مراد صاحب الكَشَّاف أنه ليس بَيْنَهُمَا مناسبة مصححة للعطف
فإنه ظَاهر الفساد بل إن كلًا منهما يتعلق بالْفعْل بلا توسط عاطف كسائر المتعلقات لا
يعطف بعضها عَلَى بعض، وإنما يعطف البعض عَلَى ما هُوَ من جنسه ولا يتعلق به استقلالًا
نحو ضربت زيدًا وعمرًا، وصحت يوم الجمعة ويوم الخميس، فلذا جعل من عطف المكان
على المكان أو الزمان عَلَى الزمان بتقدير مضاف أو بجعل الموطن اسم زمان قياسًا وإن
بعد عن الفهم كذا نقله بعض المحشيين .
قوله: (ويجوز أي يقدر أيام مواطن) مرضه لأنه تأويل قبل مس الاحتياج(ويفسر
المواطن بالوقت كمقتل الحسين ولا يمنع).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ومواطن يوم حنين. ويجوز أن يقدر وأيام مواطن لما لم يكن عطف الزمان مناسبًا
لعطف المكان، وظَاهر الآية كَذَلكَ التزم لحصول المنالة بين الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه هَاهُنَا إلَى
تقدير شيء به يتناسبان وذلك أمان يقدر في جانب الْمَعْطُوف بأن يكون تقديره وموطن يوم حنين
ليكون من باب عطف المكان عَلَى المكان، أو في جانب الْمَعْطُوف عليه بأن يكون التقدير لقد
نصركم الله في أيام مواطن؛ ليكون من باب عطف الزمان عَلَى الزمان، وإنَّمَا لم يجعله عَلَى ظاهره مع
أن بعض الفحول من العلماء جوز مثل هذا العطف كقولك: ضربته اليوم وفي المسجد، أو ضربته في
المسجد ويوم الجمعة؛ لأنهما متناسبان في معنى الظرفية والممتنع عطف أحد متعلقي الْفعْل عَلَى
الآخر إذا كانت بَيْنَهُمَا مباينة في النوع كعطف الْمَفْعُول به عَلَى الْمَفْعُول فيه أو عَلَى الْمَفْعُول له أو
على الْفَاعل أو عَلَى المصدر وعلى العكس، وليس فيما نحن فيه مباينة في النوع نظرًا إلَى البلاغة
الْقُرْآنية تقتضي زيادة التناسب بين الْمَعْطُوفين .
قوله: ولا يمنع إبدال قوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) هذا جواب عَمَّا ذكر صاحب
الكَشَّاف حاصله أن (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ) إذا كان بدلًا من يوم حنين وجب أن يكون