طلب أن يكون ما صرفه زاكيًا ناميًا عند الله تَعَالَى وهو صرفه في وجوه البر، ويتزكى من
التفعل للتكلف وما فعل بالتَّكَلُّف يقع عَلَى وجه الْكَمَال. والتزكي وإن احتمل معاني أخر
وهو التطهر من الكفر والمعاصي أو تطهر للصلاة أو تكثر من التَّقْوَى كما بينه في قوله
تَعَالَى: (قَدْ أَفْلَحَ من تزكى) لكن لكونه بدلًا من (يؤتِي) وحالًا لا يحتمل
هنا غير ما ذكر.
قوله: (أو حال من فاعله) وهذا أولى من أن يكون حالًا من مَفْعُوله لأن فيه تكلفًا.
وعلى تقدير كونه بدلًا من صلة لا محل له من الإعراب قيل ولا يرد عليه إنه لا يدخل في
تعريف التابع كما توهم انتهى. يرد به أن التابع إنما يكون تابعًا للمتبوع في الإعراب إذا كان
للمتبوع إعراب وإلا فلا، بدليل تصريح الثقات بدلية اللَّفْظ من الصلة فإنه في حكم الصلة
فلا محل له من الإعراب كما صرح به صاحب الكَشَّاف هَاهُنَا، وبدليل قولهم: العطف عَلَى ما
ليس له إعراب صحيح وتعريف النحاة للأفراد الْمَشْهُورَة.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى(19)
قوله: (وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى. فيقصد بإيتاءه مجازاتها) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ. الآية.
حال متداخلة أو مترادفة أو اسْتئْنَاف مقرر لكون إعطائه خالصًا له تَعَالَى. و (مَا) نافية أي وليس
لأحد [عنده] نعمة من شأنها أن تجزى وتكافأ فيقصد بإيتاء ماله مجازاتها، ولا يضره أن كونه
لأحد نعمة عنده ليس من شأنها المكافأة بها، فقوله تجزى صفة مخصصة فهذه الْجُمْلَة من
قبيل التكميل والاحتراس تدفع التوهم الْمَذْكُور.
قَوْلُه تَعَالَى: (إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى(20)
قوله: (استثناء منقطع) من نعمة؛ لأن المستثني لم يندرج في النعمة فيكون منصوبًا بـ إلا
لكونها بمعنى لكن فالخبر مَحْذُوف أي لكن ابتغاء وجه ربه الأعلى مطلوب له.
قوله: (أو متصل عن مَحْذُوف مثل لا يؤتى إلا ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة) أو
متصل عن مَحْذُوف لاقتضاء الْمَعْنَى ذلك، كما أشار إليه الزَّمَخْشَريّ بقوله: ويجوز أن يكون
ابتغاء وجه ربه مَفْعُولًا له عَلَى الْمَعْنَى. ولذا قال الْمُصَنّف مثل لا يؤتى [ماله] إلا لابتغاء وجه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: استثناء منقطع. لأن الابتغاء من غير جنسه وهو النعمة. الْمَعْنَى ما لأحد عنده نعمة إلا
ابتغاء وجه ربه الأعلى [فتكون] إلا بمعنى لكن. أي لكن ابتغاء وجه ربه الأعلى.
قوله: أو متصل. أي أو استثناء متصل عن مَحْذُوف، فعلى هذا يكون مُسْتَثْنَى من علة مَحْذُوفة
تقديره: لا يؤتى ماله لأمر من الأمور إلا لابتغاء وجه ربه، فقوله إلا لمكافأة نعمة تأكيد لما أفاده
الحصر الْمَذْكُور، ومثل هذا التركيب وهو أن يؤتي بتأكيد بكلمة لا بعد الحصر بكلمة إلا كقولك: ما
جاءني أحد إلا زيد لا غير، يرده صاحب المفتاح، فعلى هذا يكون الْمُسْتَثْنَى داخلًا في الْمُسْتَثْنَى منه.
تمت السُّورَة. الحمد الله عَلَى الافتتاح والاختتام، وعلى الرَّسُول أفضل الصلاة وَالسَّلَامُ. اللهم بك
الاعتصام أشرع.