قوله: (وقيل في الْآخرَة) عطف عَلَى قوله في الدُّنْيَا مرضه لعدم ملائمته(ولنجزينهم
أجرهم)؛ إذ العطف يشبه أن يكون عطف الشيء عَلَى نفسه ويحتاج في دفعه إلَى أن يقال:
والتغاير في العنوان والمفهوم كان في العطف وهذا سبب جواز الإرادة به الْآخرَة.
قوله: (ولجزينهم أجرهم من الطاعة) ولنجزبنهم أجرهم والتَّعْبير بالأجر بناء عَلَى
الوعد. قيل وهذا ليس بتكرار لأن الأول في حق الَّذينَ عاهدوا رسول الله عَلَيْهِ السَّلَامُ
فحفظوا عهودهم، وهذا في كل من آمن وعمل صالحًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ(98)
قوله: (أي إذا أردت قراءته كقوله تعالى:(إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) أي
أنه مَجَاز مُرْسَل ذكر المسبب وهو الْفعْل وأريد السبب وهو الإرادة للإيجاز والتَّنْبيه عَلَى أن
من أراد الْعبَادَة يَنْبَغي أن يتبادر إليها بحَيْثُ لا ينفك الْفعْل عن الإرادة كذا بينه في قوله
تَعَالَى: (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) والقرينة عَلَى الْمَجَاز كون الْجَوَاب متقدمًا
على الشرط فلا جرم أنه مأول بالإرادة والدليل عليه الفاء السببية والسنة المستفيضة وهي ما
روي مسندًا عن نافع عن جبير بن مطعم أن النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كان يقول قبل القراءة(أعوذ
باللَّه من الشَّيْطَان الرجيم)وكذا ما رواه معقل بن يسار عن النَّبيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"من قال حين"
يصبح ثلاث مرات أعوذ باللَّه من الشَّيْطَان الرجيم فقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر""
الْحَديث. وغيره مما استفاض رواية وعملًا وهذا مذهب الْجُمْهُور من القراء والفقهاء، وقد
أخذ بظَاهر الآية بعض الأئمة كأبي هريرة وابن سيرين والإمام مالك من الفقهاء وحمزة
من القراء واستعاذوا بعد القراءة فحِينَئِذٍ لا يتناول بالإرادة. وفي اللباب: اتفق الأكثرون عَلَى أن
وقت الاستعاذة قبل قراءة الْفَاتحَة، وعن النخعي بعدها وهو قول دَاوُود الأصفهاني وإحدى
الروايتين عن ابن سيرين وقَالُوا إذا فرغ من الْفَاتحَة وأمَّن يستعيذ باللَّه. ودليل الْجُمْهُور ما
روى جبير بن مطعم الخ. ثم قال: قال الْجُمْهُور وهذا موافق لما فهم من قَوْلُه تَعَالَى:(وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقيل في الْآخرَة عطف عَلَى قوله في الدُّنْيَا.
قوله: إذا أردت [قراءته] وإنما عبر عن إرادة القراءة بلفظ القراءة لأن الأفعال الاختيارية تصدر
عن محالها بعد سبق الإرادة والقصد إليها، ولما كانت الإرادة سببًا لها ذكر المسبب وأريد به السبب
مَجَازًا كقوله: (إذا قمتم إلَى الصلاة) الْمَعْنَى إذا أردتم القيام إلَى الصلاة بقرينة
(فاغسلوا) لأن الأمر بغسل الأعضاء إنما هُوَ وقت إرادة القيام إلَى الصلاة لا وقت
القيام إلَى الصلاة.