لأن كمال السحر متحقق في ذلك الزمان لكنهم مخطئون غافلون عن أن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ليس
من جملة المتأخّرين فوقعوا فيما وقعوا(فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا
بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)فأوحى الله تَعَالَى إلَى مُوسَى (أن ألق عصاك) .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ(45)
قوله: (فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ) تبتلع، وقرأ حفص تَلْقَفْ بالتخفيف)
فألقى مُوسَى عصاه عقب أمره تَعَالَى بالإلقاء (فإذا هي) وإذا فجائية تلقَّف بالتشديد أصله
تتلقف وصيغة الْمُضَارِع لحكاية الحال الْمَاضية اسْتحْضَارا للصورة البديعة أو التلقف بالنسبة
إلى الإلقاء مستقبل وكذا الْكَلَام في (ما يأفكون) .
قوله:(ما يقلبونه عن وجهه بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها
حيات تسعى)ما يقلبونه. أي الإفك هُوَ الصرف وقلب الشيء عن وجهه وعن طريقه. وأشار
إلى أن (مَا) موصولة، والْمُرَاد به حبالهم وعصيهم وهم يقلبونها عن وجوههم التي كانت هي
عليها وهو الحبالية وكونها عصيًا بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم بذلك
التمويه والحيل حيات تسعى وتمويههم أنهم لطخوا بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس
اضطربت فخيل أنها تتحرك .
قوله: (أو إفكهم تسمية للمأفوك به مُبَالَغَة) أَشَارَ إلَى جواز كون (ما) مصدرية وهي مع
الْفعْل مصدر بمعنى الْمَفْعُول، والتلقف والابتلاع بلغ في النهاية مبلغًا حتى سرى إلَى الإفك
نفسه. قوله تسمية للمأفوك به مُبَالَغَة إشَارَة إليه قوله للمأفوك به إشَارَة إلَى أن الْمَحْذُوف
العائد إلَى ما الموصولة الجار والمجرور .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ(46)
قوله: (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ) جعلهم الله ملقين عَلَى وجوههم تنبيهًا عَلَى أن الحق
بهرهم واضطرهم إلَى السجود بحَيْثُ لم يبق لهم تمالك .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ما يقلبونه عن وجهه، فإن معنى الإفك عَلَى ما سبق صرف الشيء عن وجهه، ومنه سمي
الكذب إفكا لكونه صرفًا للمعنى عَمَّا هُوَ عليه في نفس الأمر .
قوله: أو إفكهم. يعني أن كلمة ما في (ما يأفكون) إما موصولة أو مصدرية فإن كانت
موصولة فهو الوجه الأول وإن كانت مصدرية فهو الوجه الثاني وعلى الثاني سمي المأفوك بالإفك
للمُبَالَغَة لكونه من قبيل الوصف بالمصدر .