قَوْلُه تَعَالَى: (وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (57)
قوله:(نزلت في الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم
فقال: نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب)نخرج منها
بصيغَة المجهول جواب (إن نتبع) أي يخرجنا الأعداء بسَبَب اتباعك وهو أشد من القتل.
وأصل التخطف الأخذ بسرعة والاختلاس بها لكنه اسْتُعيرَ هنا للإخراج الْمَذْكُور .
قوله: (وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا) ونحن أكلة رأس وأكلة جمع أكل
بوزن نصرة وهو ضرب مثل يضرب للقلة وأصله ناس قليلون إذا أكلوا رأس واحدة من رءوس
الحيوان المطبوخة وهذه الْجُمْلَة معترضة بين الْفعْل ومَفْعُوله للمسارعة إلَى بيان وجه التخطف .
قوله: (فرد الله عليهم بقوله:(أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ) فرد الله تَعَالَى
بقوله أي عَلَى أبلغ وجه وعلى إيراد برهان فقال: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ) أي
ألم نحفظهم ولم تمكن لهم. والْمَعْنَى قد عصمناهم وجعلنا لهم مكانًا ذا أمن ببركة البيت
الحرام قبل الْإسْلَام فما ظنهم في الحفظ بعد اجتماع الأمرين السببين للأمن البيت الحرام
وشرف الْإسْلَام، وهذا تنبيه عَلَى أنه تَعَالَى كما حفظهم فيما مضى يحفظهم فيما يستقبل
بطَريق الأولى، وفيه من المُبَالَغَة ما لا يخفى .
قوله: (أو لم نجعل مكانهم حرمًا ذا أمن بحرمة البيت) ذا أمن أي آمِنًا من صيغ
النسبة ؛ إذ إسناد الأمن إلَى أهل الحرم حَقيقَة وإلى الحرم مَجَازًا، ولذا حملها عَلَى النسبة
كـ لابِن وتامِر هربًا عن الْمَجَاز. قوله أو لم نجعل لهم إشَارَة إلَى أنه ضمن معنى الجعل أو
صيغة التفعيل للتعدية فيفهم الجعل بلا تضمين، ولذا نصب حرمًا عَلَى أنه مَفْعُول به .
قوله: (الذي فيه يتناحر العرب حوله وهم آمنون فيه) الذي يتناحر العرب أي يقاتل
بعضهم بعضًا قال تَعَالَى (وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) يختلسون قتلًا وسبيًا ؛ إذ كانت
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وإنما نحن أكلة رأس. أي قليلون .
قوله: يتناحر العرب. من انتحر القوم عَلَى الشيء إذا تشاحوا حرصًا وتناحروا في القتال
والْمُرَاد التناصر .