من غيره من الغير القوي الأمين فالظَّاهر أن يقال إن القوي الأمين خير من استأجرت من
الأجيرين لكنه عدل عنه للمُبَالَغَة فيه بتقديم خيريته للاهتمام بكونه خيرًا تنبيهًا عَلَى أن
خيريته منشأ لسائر الأوصاف الحميدة بناء عَلَى أن الحكم عَلَى المُشْتَق يفيد علية مأخذ
الاشْتقَاق مع أن الواقع هنا العكس، والظَّاهر أن فيه قلبًا لأن فيه تضمنًا اعتبارًا لطيفًا .
قوله:(وذكر الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه امرؤ مجرب معروف. روي أن
شعيبًا - عليه السلام - قال لها وما أعلمك بقوته وأمانته فذكرت إقلال الحجر وأنه صوب
رأسه حتى بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه)وذكر الْفعْل بلفظ الْمَاضي وإن كان الْمَعْنَى
على المستقبل مع أن الظَّاهر لفظ المستقبل منه لتحقق وقوعه. أي الاستئجار بسَبَب تحقق
علته وهو الْقُوَّة والأمانة، ولذا قال للدلالة عَلَى أمين مجرب معروف وإلا فتحقق الأمانة لا
يستلزم تحقق الاستئجار في الْمَاضي ادعاء إقلال الحجر رفعه من رأس البئر، وصوب رأسه
أي خفقها لئلا ينظر إليها وأمرها بالمشي خلفه لئلا ينظر إليها أَيْضًا والأول بيان قوته والثاني
بيان أمانته، والخبر الواحد العدل يكفي في مثله وإن في الأول نصاب الشَّهَادَة تام في مثله .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ(27)
قوله: (هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي) عَلَى أن تأجر نفسك مني أو تكون لي أجيرًا، أو تثيبني
من أجرك الله تَعَالَى) هاتين إشَارَة إلَى انبتيه أرسلهما إلَى البئر. قيل فيه إيماء إلَى أنه كانت له بنات
أخر غيرهما، وقد نقل عن البقاعي أن له سبع بنات. وهذا احتمال لا قطع فيه ؛ إذ الإشَارَة لا تقتضي
أن له بنات أخر. أن تأجر نفسك مَفْعُوله الأول حذف لظهوره ومَفْعُوله الثاني مني نبه به عَلَى أنه
يتعدى إلَى الْمَفْعُول بمن وبنفسه، وبهذا الْمَعْنَى يتعدى إلَى مَفْعُول واحد أو تثيبني فالْمُرَاد
التعويض، ولما كان هذا الْمَعْنَى غير مُتَعَارَف بيَّنه بقوله من أجرك الله تَعَالَى. أي عَلَى ما فعلته أي
أثابك الله تَعَالَى فأنت مثاب مأجور، ولا يحتمل أجر هنا غير الإثابة وأجر من الثلاثي أخّره إذ
الأول هُوَ المُتَعَارَف في مثل ما نحن فيه وإن كان المآل واحدًا .
قوله:(ظرف على الأولين ومفعول به على الثالث بإضمار مضاف أي رعية ثماني
حجج)بكسر الراء رعي المواشي، والْمُرَاد هنا رعي الغنم .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو تكون لي أجيرًا، فيكون من أجرته إذا كنت له أجيرًا كقولك: أبوته إذا كتب له أبًا .
قوله: أو تثيبني. أي تعوضني فيكون من أجرته كذا إذا عوضته وأثبته إياه ومنه تعزية رسول الله
-صلى الله عليه وسلم -"آجركم الله ورحمكم".
قوله: ظرف عَلَى الأولَين ومَفْعُول به عَلَى الثالث، فالْمَعْنَى عَلَى الأولَين عَلَى أن تأجر نفسك
مني لو تكون أجيرًا لي في ثماني حجج، وعلى الثالث عَلَى أن تعوضني وتثيبني في بدل الإنكاح
رعية ثماني حجج أو خدمة ثماني حجج. الحجة مجاز عن السنة لوقوعها فيها فهو من باب ذكر
الحال وإرادة المحل .