قوله: (أهلكوا وسدت عليهم) الظَّاهر أن الْمُرَاد بالْمَاضي هنا المستقبل عبر به لتحقق
الوقوع عندهم وفي زعمهم . قوله: (مسالك الخلاص) أي من كل جانب ولذا اخْتيرَ المسالك عَلَى المسلك كما
هو مقتضى التَّعْبير بالإحاطة (كمن أحاط به العدو) أي الْكَلَام عَلَى الاسْتعَارَة التمثيلية
شبهت الهيئة المنتزعة من شدة هبوب الريح العاصف وظهور الموج من كل مكان ، وحركة
السفن حركة شديدة بالهيئة المنتزعة من العدو وإحاطته بشخص من جميع جهاته بحيث لا
يرجى خلاصه فاستعمل اللَّفْظ المركب الموضوع للهيئة المشبه بها في الهيئة المشبهة
لتراجع الفطرة التي فطر النَّاس عليها من التوحيد والتجنب عن الإشراك .
قوله: (من غير إشراك لتراجع الفطرة وزوال المعارض) كالتَّأْكيد لما قبله والمعارض
التقليد وتوهم النفع والشفاعة من مجودهم مِنْ دُونِ اللَّهِ .
قوله: (من شدة الخوف) تعليل للتراجع والزوال الْمَذْكُور فإن الخوف إذا اشتد لم
ينازع الوهم العقل فيكون العقل مرشدًا إلَى التوحيد وصارفًا عن ما سواه تَعَالَى.
قوله: (وهو بدل من ظنوا بدل اشتمال لأن دعاءهم من لوازم ظنهم) بحَيْثُ لو ذكر الظن
يتشوق الذهن إلَى ذكره ؛ إذ ظنهم سد مسالك خلاصهم ليس مقصود بالبيان بل ذكره للتمهيد لذكر
دعائهم فيكون مثل: أعجبني زيد علمه. وهذا أولى مما ذكره أبو البقاء هذا جواب ما اشتمل عليه
الْمَعْنَى من معنى الشرط أي لما ظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله، وأَيْضًا أولى مما ذكره أبو حيان من
أنه جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا كان حالهم إذ ذاك انتهى. إذ البدل لكونه يفيد زيادة التقرير
أولى بالاعتبار مع استثنائه عن التقدير بخلاف ما اختاراه . (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا) اللام موطئة للقسم المقدر
ولنكونن جوابه والْجُمْلَة في محل النصب بقول مقدر أو مَفْعُول (دَعَوُا) وإلى هذا أشار الْمُصَنّف
بقوله عَلَى إرادة الْقَوْل وهذا مختار البصريين أو مَفْعُول (دَعَوُا) وهو مذهب الكوفيين .
قوله: (عَلَى إرادة الْقَوْل أو مَفْعُول(دَعَوُا) لأنه من جملة الْقَوْل) أي أن الكوفيين يقولون
إن الدعاء يجري مجرى الْقَوْل فيستغنى عن تقدير الْقَوْل .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى
أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)
قوله: (إجابة لدعائهم) ولكونهم مخلصين في دعائهم الفاء لترتيب ما بعده عَلَى ما
قبله، ولهذا قَالَ إجابة لدعائهم .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لأن دعاءهم من لوازم ظنهم بيان للملابسة التي تشترط بين بدل الاشتمال والمبدل منه
كما في أعجبني زيد حسنه أو رميه أو علمه. فإن كلا من الحسن والرمي والعلم من ملابسات زيد .
قوله: عَلَى إرادة الْقَوْل الْمَعْنَى قَالُوا أو قائلين (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا) واللام موطئه للقسم. قوله أو مَفْعُول
(دَعَوُا) هذا عَلَى تضمين الدعاء معنى الْقَوْل أي دعوا قائلين (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا) . قوله أجابهم لدعائهم أي فلما
أجابهم لدعائهم بإنجائهم عن الفرق .