قوله: (إلَى المعارف والأحكام) إشَارَة إلَى أنهم مهتدون بالإيمان قبله، والْمُرَاد
الاهتداء إلَى الأحكام العملية التي ذكرت في التَّوْرَاة فالْمُرَاد بالمعارف معارف الأحكام
العملية، ولذا لم يذكر المعارف في الأحكام مع أنها مرادة. والعطف للتفسير أو الْمُرَاد بها
الاعتقادات من جهة الاعتداد وإن كانت حاصلة قبله بحسب الذات.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ(50)
قوله: (بولادتها إياه من غير مسيس فالآية أمر واحد مضاف إليهما) كون مريم آية
لولادتها إياه من غير مسيس من غير زوج ولا غيره، ولذا قال من غير مسيس ولم يقل من
غير زوج وكون عيسى آية لتولده منها بلا أب، فالآية أمر واحد يتوقف ذهنًا وخارجا عَلَى
مجموعهما ولا يستقل واحد منهما، ولذا قال مضاف إليهما فالأمر الخارق أمر مشترك بَيْنَهُمَا
فلا يحسن حِينَئِذٍ تثنية آية لأنها مفردة في الواقع تعدده أمر نسبي متعددة باعْتبَار طرفيها ولو
ثنيت بالنظر إلَى هذا التعدد الاعتباري لم يبعد ولم يلتفت إلَى تقدير مضاف أي حالهما أو
ذوي آية لإمكان التوجيه بدون التقدير كما عرفته، وفي قوله بولادتها الخ. إشَارَة إلَى أن
الْكَلَام للمُبَالَغَة كرجل عدل.
قوله:(أو جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ آية بأن تكلم في المهد وظهرت منه معجزات أخر وَأُمَّهُ آية بأن
ولدت من غير مسيس فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها)ولم يعكس لئلا يلزم الفصل بين
المَفْعُولَيْن مع أن المُتَعَارَف ربط الشيء إلَى قريبه كالضَّمير الدائر بين الأقرب والأبعد
حسبما أمكن ربطه إلَى القرب لا يصار إلَى البعيد، وفي التَّعْبير بابن مَريَم وأمه دون عيسى
أو المسيح ومريم تنبيه عَلَى وجه كونهما آية وعن هذا قدم المص الوجه الأول لموافقته لما
أشير إليه في النظم الجليل.
قوله: (أرض بيت المقدس) لأنه مقر الْأَنْبيَاء عليهم السلام ومنزل البركات. وقيل لأن
الملك هم بقتل عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ ففرت به أمه إلَى أحد هذه الأماكن وكون زكريا عليه
السلام في تربيتها في بيت المقدس لا يلائم الْقَوْل الأول، فالأولى الْقَوْل بما عدا الأول.
قوله: (فإنها مرتفعة) في الكَشَّاف إنها كبد الْأَرْض وأقرب الْأَرْض إلَى السماء
بثمانية عشر ميلًا نقله عن كعب.
قوله:(أو دمشق أو رملة فلسطين أو مصر فإن قراها على الربى، وقرأ ابن عامر
وعاصم بفتح الراء وقرئ «رُبَاوةَ» بالضم والكسر)أو مصر عطف عَلَى رملة لا عَلَى فلسطين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فالآية أمر واحد مضاف إليهما. يعني جعل الْمَعْطُوف والْمَعْطُوف عليه وهما اثنان آية
واحدة ومقتضى الظَّاهر أن يقال آيتين لأن كونهما آية بسبب أصل واحد وهو الولادة الغير المعهودة
عادة القائمة بهما لا بأحدهما فالولادة لكونها نسبة بين الابن والأم شيء واحد مضاف إليهما.