قوله: (ذكر مع ذكر النجوم يَعْلَمُونَ) أشار به إلَى أن الفقه وإن كان بمعنى العلم إذا
كان من الباب الرابع لكنه أخص منه؛ لأن شدة الفهم وتدقيق النظر معتبر فيه، والعلم أعم منه
هذا هُوَ الأصل فيه ولا يضره اسْتعْمَال الفقه في العلم الجلي بمعونة القرينة كقَوْله تَعَالَى:
(فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) .
قوله: (لأن أمرها ظَاهر) والعلم يستعمل في الغالب في الظَّاهر وأمر النجوم وهو
كونها سَبَب الاهتداء أمر واضح وإن كان بعض أمورها دقيقًا غامضًا .
قوله: (ومع ذكر تخليق بني آدم يفقهون) أَشَارَ إلَى أن المخاطب في أنشأكم أولاد آدم
بأسرهم كما أشرنا .
قوله: (لأن [إنشاءهم] من نفس واحدة) من ابتدائية تستعمل في البعدية كما تستعمل في القريبة .
قوله: ( [وتصريفهم بين] أحوال مختلفة دقيق غامض) الذي أشير إليه بقوله:
(فمُسْتَقرٌّ) الخ. الْمُرَاد بالأحوال المختلفة كون النطفة أولًا غذاء ثم دمًا ثم
نطفة في الأب، وفي الأم كون النطفة علقة ثم مضغة إلَى آخر الأطوار .
قوله: (يحتاج إلَى اسْتعْمَال فطنة) وذلك الاسْتعْمَال هُوَ الفقه .
قوله: (وتدقيق نظر) أي مطابق له .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماء فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(99)
قوله: (من السحاب) معنى لغوي للسماء فإن كل ما علاك فهو سماء. قوله(أو من
جانب السماء)بتقدير الْمُضَاف وهو السحاب أَيْضًا فالْمُرَاد بالسماء الفلك هنا أو الْمُرَاد
الفلك نفسه فإن المطر ينزل من الفلك إلَى السحاب ومنه إلَى الْأَرْض. واكتفى في البقرة
باحتمال السحاب والفلك، فـ من ابتدائية والْمَاضي لتغليب الموجود عَلَى ما لم يوجد .
قوله: (عَلَى تلوين الخطاب) أي الْكَلَام لا الخطاب المصطلح عليه. وحاصله أن هذا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: عَلَى تلوين الخطاب أي عَلَى الالْتفَات فإنه انتقال من فن إلَى فن من الْكَلَام فكأنه كلام
متلون من أسلوب إلَى أسلوب آخر وهاهنا وإن كان الانتقال من الغيبة إلَى التكلم لكن لما وقع في
كلام خوطب به عبر عن نقله من فن إلَى فن بتلوين الخطاب .
قوله: ذكر مع ذكر النجوم (يَعْلَمُونَ) يريد بيان وجه وقوع كل من (يَعْلَمُونَ) و (يفقهون) في موقعه
فحاصل ما ذكره أن قَوْلُه تَعَالَى: (وهو الذي جعل لكم النجوم) إشَارَة إلَى آيات
الآفاق، وقوله: (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة) إشَارَة إلَى آيات الأنفس ولا
شك أن الآيات الآفاقية أظهر وأجلى، وآيات الأنفس أدق وأخفى فكان ذكر الفقه لها أنسب وأولى.
قال صاحب النهاية الفقه في اللغة الفهم وجعله العرف خاصة بعلم الشريعة لأنه علم مستنبط
بالقوانين والأدلة والأدقية والنظر الدقيق فقد علم أن الفقه إنما يطلق حيث يكون بدقيق نظر .