قَوْلُه تَعَالَى: (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ(10)
قوله: (فما للإِنسان) الفاء لسببية الْإخْبَار كقَوْله تَعَالَى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) .
قوله: (من منعة في نفسه يمتنع بها(وَلَا نَاصِرٍ) يمنعه) منعة بفتح الميم والنون
بمعنى الْقُوَّة. وقيل بسكون النون لا غير نقل هذا عن الْقُرْطُبيّ والمفتوح جمع مانع وهو ليس
بمراد هنا في نفسه هذا القيد مأخوذ بمقابلة قوله: (وَلَا نَاصِرٍ) ولذا قال
في تفسير قوله: (وَلَا نَاصِرٍ) يمنعه الظَّاهر أن ناصرًا هنا عام للشفيع وإن
كان الظَّاهر أن النصرة الدفع بقهر كما أن الأول يعم المنع بالفدية وبالجبر والقهر فيفهم
جميع الاحتمالات في دفع العذاب كما فصله الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى:(واتَّقُوا يَوْمًا لا
تجزي نفس)الآية. فظهر أن الْمُرَاد بالْإنْسَان الكافر هنا ويبعد تعميمه إلَى
عصاة الموحدين.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11)
قوله: (نرجع في كل دورة إلَى المَوْضع الذي تحركت عنه) ترجع الخ. مبني للمَفْعُول
إذ الرجع مصدر رجع المتعدي كما أن الرجوع مصدر رجع اللازم. وقيل الرجع قد يجيء
مصدر اللازم أَيْضًا فحِينَئِذٍ يكون ترجع مبنيًا للفاعل، والْقَوْل بأنه يجوز أن يعبر عن الرجوع
بالرجع للازدواج بالصدع بحذف زوائد الرجوع ضعيف؛ لأن قول الْمُصَنّف ترجع لما صح
أن تجعل مبنيًا للمَفْعُول فما الحاجة إلَى هذا التعسف البعيد، فالْمَعْنَى أن الله تَعَالَى يرجعها
في كل دورة أي في كل يوم أو في كل سنة إلَى المَوْضع الذي تحركت عنه، وهذا هُوَ
الملائم باعْتبَار كل سنة لكن هذا هُوَ الْمَشْهُور في الكواكب لا سيما الشمس والقمر، فالنسبة
مجازية سواء كان الرجع مصدرًا متعديًا كما هُوَ الْمُخْتَار أو مصدرًا لازمًا، ويؤيده قوله
تحركت عنه فإن هذا ليس بمنتظم في السَّمَاء بل هُوَ حال الكواكب ويحتمل أن يكون
الْمَعْنَى ترجع السماء الكواكب حذف الْمَفْعُول للعلم به وأن ترجع مبني للفاعل من رجع
المتعدي، وإسناد الإرجاع إلَى السماء مجاز لكونه محلًا لإرجاع الله تَعَالَى إياها.
قوله: (وقيل الرجع المطر سمي به كما سمي أوبًا لأن الله يرجعه وقتًا فوقتًا) الرجع
المطر لا المصدر سمي المطر به أي بالرجع لأن الله يرجعه من الإرجاع أو من الرجع
المتعدى فالمطر مرجوع أو مرجع فيكون من قبيل تسمية الْمَفْعُول بالمصدر كالخلق بمعنى
المخلوق، لكن الْمُرَاد بالرجوع المطر وحده لا كل مرجوع إما مَجَازًا فيكون مَجَازًا بمرتبتين
أو لكونه فردًا من أفراده وهذا هُوَ الذي اختاره صاحب الكَشَّاف وتبعه صاحب الإرشاد ولم
يتعرضا لما ذكره الْمُصَنّف أولًا واختاره لأنه لا يخلو عن تكلف فإن السماء ليس براجع ولا
مرجوع عَلَى الْحَقيقَة بخلاف المطر فإنه مرجوع عَلَى الْحَقيقَة فلا يعرف وجه تمريض
الْمُصَنّف الوجه الثاني.
قوله: (أو لما قيل من أن السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعه إلَى الْأَرْض)