قَوْلُه تَعَالَى: (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى(16)
قوله: (قد مَرَّ بَيَانُهُ في سورة طه) أي بيان طوى وهو اسم مَوْضع في الشام فيكون
عطف بيان للوادي يصرف لكون الْمُرَاد بالمَوْضع المكان، ولا يصرف لكونه مأولا بالبقعة
كما في سائر الأمكنة فلا حاجة إلَى جعله معدولًا عن جهته كعمر وزفر مع أنه لم يوجد له
نظير في الاسم كما قيل. قال الْمُصَنّف هناك: وقيل هُوَ كثِنى من الطيي مصدر نودي أو
المقدس أي نودي ندائين أو قدس مرتين انتهى. فهنا مصدر نادى أي نادى ندائين الخ. أي
طوى بمعنى ثِنى بكسر الثاء وهو الشيء المثنى وكون؛ إذ ظرفًا [لـ اذكر] المقدر أولى من جعله
ظرفًا للحديث؛ إذ إراءة الكبرى وما بعدها لم يكن في ذلك الوقت إلا أن يراد بالزمان الوقت
المتسع للأخبار الْمَذْكُورة كلها لكنه بعيد هنا.
قَوْلُه تَعَالَى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(17)
قوله: (عَلَى إرادة الْقَوْل) أي فقال عطف عَلَى ناداه عطف المفصل عَلَى المجمل.
قوله: (وَقُرئَ «أن اذهب» لما في النداء من معنى الْقَوْل) عَلَى أن يكون أن تفسيرية
بالوجود شرطها الْمَشْهُور وهو كونها واقعة بعدما فيه معنى الْقَوْل دون الْقَوْل الصريح، وإلى
ذلك أشار بقوله لما في النداء الخ. ولم يتعرض لجواز أن يكون مصدرية لأن في دخولها
على الأمر والنهي يحتاج إلَى تأويل كما بينه في أواخر سورة يونس مع أن في جوازه
اخْتلَافًا مر تفصيله في أوائل سورة نوح.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى(18)
قوله: (هل لك ميل) هذا دعوة في صورة عرض ومشورة حذرًا أن تحمله الحماقة عَلَى
أن يسطو عليه، أو احترامًا له لما له حق التربية كذا قال الْمُصَنّف في طه، وإلا فالْمُرَاد دعوة جزمًا.
قوله: (إلَى أن تتطهر من الكفر والطغيان) إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد من الطغيان
الطغيان عَلَى الخالق بالكفر والعصيان. وقيل الطغيان مُطْلَقًا عَلَى الخالق أو عَلَى الخلق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: (هل لك) ميل إلَى أن تتطهر. وفي الكَشَّاف: هل لك في كذا وهل
لك إلَى كذا بمعنى هل ترغب فيه وهل ترغب إليه. قال ابن جني:[متى كان فعل من الأفعال في
معنى فعل آخر، فكثيرًا ما يُجْرَى أحدهما مجرى صاحبه، فيُعْدَلُ في الاستعمال به إليه، ويُحتذى في
تصرفه حذو صاحبه، وإن كان طريق الاستعمال والعرف ضد مأخذه، ألا ترى إلى قوله الله جل اسمه: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى) وأنت إنما
تقول: هل لك في كذا؟ لكنه لما دخله معنى: أَجْذِبك إلى كذا وأدعوك إليه، قال:(هَلْ لَكَ
إِلَى أَنْ تَزَكَّى)، وقَوْلُه تَعَالَى:(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ
إِلَى نِسَائِكُمْ)وأنت لا تقول: رفثتُ إلى المرأة، وإنما تقول: رفثت بها ومعها، لما كان
الرفث بمعنى الإفضاء عُدي بـ إلى كما يُعدَّى أفضيت بإلى] وهذا من أشد مذاهب العربية لأنه موضع يملك عنان الكلام
فيأخذه إليه. تم كلامه. وقيل هل لك في كذا محمول عَلَى أدعوك فكأنه قَالَ أدعوك إلَى النزل فهل
ترغب فيه. وقال الواحدي المبتدأ مَحْذُوف أي هل لك إلَى نزل حاجة.