قوله: (من كنس الوحش إذا دخل كناسه، وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر) أي
هذا الْمَعْنَى مأخوذ من كنس الخ. إذا دخل كناسه فيلزمه الاختفاء، والْمُرَاد هنا لازمه
مَجَازًا فشاع في هذا الْمَعْنَى فصار حَقيقَة عرفية ولم يلتفت إلَى ما قيل من أن الْمُرَاد
جميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب عن العيون وتكنس بالليل أي تطلع في أماكنها
كالوحش في كنسها؛ إذ الجواري تدل عَلَى سرعة الحركة كما مَرَّ بَيَانُهُ وهي منتفية في
الثوابت، ولذا لم يتعرض القائل بيان جريانها. قوله إذا دخل كناسه انفهام معنى الدخول
من الثلاثي محل تأمل. وكنس مُشْتَق من الجامد وهو الكناسة وهو صحيح نحو تحجر
صرح به الزَّمَخْشَريّ في سورة البقرة. ولعل معنى الدخول لكونه منشقًا من الجامد
الكنس والخنس جمع كانس وخانس كنصر.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ(17)
قوله: (أقبل ظلامه أو أدبر) أقبل ظلامه وهو الْمُنَاسب للمقام ولقوله:(وَالصُّبْحِ
إِذَا تَنَفَّسَ)عكس ما في الكَشَّاف كأنه نظر إلَى أن الإدبار يلائم ما قبله
إذ الْمُرَاد الاختفاء تحت ضوء الشمس لكن مقابلته لقوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)
خفي، إلا أن يقال إدبار الليل آخر الليل ملاصق بالصبح لا عين الصبح
والْمُتَبَادَر من الإدبار الشروع في الزوال كما أن إقباله حصول الظلام وما دام الظلام
باقيًا بالمرة لا يكون لإدباره معنى فإنه لا فرق حِينَئِذٍ بين أول الليل ووسطه وآخره
وقرب آخره بالصبح لا يفيد إطلاق الإدبار عليه لكن الأكثرين اختاروا كون الْمُرَاد إدبار
الليل والْمُصَنّف روح الله روحه أَشَارَ إلَى ضعفه لما ذكرناه، أَلَا [تَرَى] أن إقبال الظلام
ليس عبارة عن آخر النهار ملاصق بأول الليل بل عبارة عن ظهور الظلام بغروب
الشمس وكذا إدبار الليل ما ذكرناه أي عبارة عن ظهور الضوء فلا تغفل.
قوله: (وهو من الأضداد) لأنه موضوع للإقبال والإدبار وهما متضادان ولو قال فهو
من الأضداد بالفاء لكان أولى لأنه فهم مما قبله، وهذا مختار الْمُصَنّف ونقل عن الرَّاغب أنه
قال في مفرداته العسعس والعساس رقة الظلام وذلك في طرفي الليل فهو مشترك معنوي
عنده كذا قيل. والْمَشْهُور هُوَ الأضداد وفي قوله رقة الظلام إشَارَة إلَى ما ذكرناه من أن إدبار
الليل عبارة عن ظهور الضوء في الْجُمْلَة فإن رقة الظلام إنما كان بضوء في الْجُمْلَة.
قوله: (عسعس الليل وسعسع إذا أدبر) تفسير سعسع فقط لأنه ليس من الأضداد فلا
ينافي ما سبق من أن عسعس بمعنى الإقبال والإدبار وهنا اكتفى بالإدبار وسعسع مقلوب
عسعس لكن بَيْنَهُمَا فرق كما عرفته فالقسم عَلَى طرفي الليل وعلى الصبح إذا تنفس لأن
هذه الأشياء من الأمور الغريبة لا سيما الصبح الخ. لأن فيه تغير الحال كما في الإقبال
والإدبار وتبدل وحشة الليل بسرور النور والضوء ومحاكاة فاتحة يَوْم الْقيَامَة هذا إذا جعل (لا)
زائدة وإلا فلا قسم، لكن فيه تنبيه عَلَى شرافة هذه الأمور كما بيناه آنفًا.