قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(30)
قوله: (يوسعه ويضيقه بمشيئته التابعة للحكمة البالغة) يوسعه معنى يبسط ويضيقه
معنى يقدر بمشيئته ذكرت بعدهما للتنبيه عَلَى أن (لمن يشاء) معتبر في الْمَعْطُوف أيضًا .
قوله: (فليس ما يرهقك من الْإضَافَة إلا لمصلحتك) ما يرهقك أي يغشاك من
الْإضَافَة إفعال من أضاق الحال فمن [حِينَئِذٍ] تعليلية وليست بيانًا لما، وأما جواز كون يرهقك من
الإفعال و (مِنْ) بيانية فبعيد ؛ إذ الاسْتعْمَال كونه من الثلاثي في الأكثر والأوفق للرواية. قوله إلا
لمصلحتك ونفعك والغناء في بعض الأحيان ليس إلا لمصلحتك فكن شاكرًا في الحالين
وكذا غيرك في البسط والقبض فإنهما لحكمة لا للعجز والبخل ولا لاستحقاق وعدمه .
قوله: (يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم،) يعلم سرهم
وعلنهم لف ونشر مرتب وقد مَرَّ وجه تقديم الخبر ففعيل بمعنى الْمُضَارِع. قوله فيعلم من
مصالحهم الخ. تفريع عَلَى ذلك وإن المقصود من الْجُمْلَة بيان علمه بمصالحهم بالبرهان
فيتضح ارتباطه بما قبله. قوله ما يخفى عليهم فيه تنبيه عَلَى أن عدم علمهم الْحكْمَة لا
يستلزم عدم الْحكْمَة فيقدرها عَلَى وفق حكمته لطفًا عَلَى عباده لا لوجوب رعاية الْحكْمَة .
قوله:(ويجوز أن يريد أن البسط والقبض من أمر الله تعالى العالم بالسرائر والظواهر،
فأما العباد فعليهم أن يقتصدوا)ويجوز أن يريد الخ. أي أن توسيع الرزق عَلَى وجه الإفراط
والتضييق عَلَى وجه التفريط أمر مختص به تَعَالَى العالم بالسرائر والظواهر. يوسع لمن كان
التوسيع له خيرًا ويقتر لمن كان التضييق له خيرًا في علمه تَعَالَى، فأما العباد فلعدم علمهم
بالعواقب فعليهم أن يقنصدوا في الإنفاق وغيره دون الإسراف والتقتير، وهذا يشعر أن
التوسيع الذي فعله تَعَالَى لو صدر من العباد لكان مما يعد إسرافًا وكذا التقتير، وأما الاقتصاد
في التوسع فيعلم حاله بالطريق الأولى وهذا فيه نوع بعد، فلذا مرضه فقال ويجوز الخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فليس ما يرهقك أي ما يغشاك من الْإضَافَة إفعال من الضيق من إضافة أي أوقعه في
الضيق الذي هُوَ ضد السعة .
قوله: يعلم سرهم وعلنهم. لف ونشر مرتب .
قوله: فعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم. فمن كان بسط الرزق مصلحة في حقه في علمه
الأزلي يبسط الرزق له لاقتضاء حكمته له، ومن كان المصلحة في حقه تضييق الرزق يضيقه لأن
مقتضى حكمته التضيق عليه فليس للعبد أن يفزع ويغتم من المضايقة في الرزق بل عليه أن يعتقد
أن المضايقة مصلحة في حقه ولولاها لفسدت حاله (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ)
(إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى(6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) .
قوله: ويجوز أن يريد أن القبض والبسط من أمر الله. يعني أن البسط المفرط والقبض المفرط
مختص باللَّه تَعَالَى، وأما أنت فاقتصد واترك ما هُوَ مختص باللَّه تَعَالَى.