قوله: تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172)
قوله: (أي أخرج) أَشَارَ إلَى أن أخذ مجاز في أخرج؛ إذ الأخذ لشيء يخرجه عن مقره
فالإخراج لازم للأخذ باللزوم [العرفي] .
قوله: (من أصلابهم نسلهم) في (مِنْ ظُهُورِهِمْ) مجاز عن الأصلاب بطَريق ذكر المحل
وإرادة الحال أو المجاورة.
قوله:(عَلَى ما يتوالدون قرنًا بعد قرن، ومِنْ ظُهُورِهِمْ بدل مِنْ بَنِي آدَمَ بدل البعض. وقرأ
نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب «ذرياتهم» )عَلَى ما يتوالدون صيغة الْمُضَارِع هنا اخْتيرَت
لقصد الاسْتمْرَار فالْمَاضي في النظم إما مأول بتَغْليب الموجود عَلَى ما لم يوجد أو بتنزيل
المنتظر منزلة الواقع.
قوله: (أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم) من الآيات
[في] الآفاق والأنفس الدَّالَّة عَلَى ربوبيته [وألوهيته] ، وهذا النصب تمكين الله تَعَالَى إياهم من العلم
بها والتركيب في عقولهم ذلك تمكنهم من العلم بالربوبية وتمكنهم بها ولهذا تعرض لبيان
النصب الْمَذْكُور والتركيب المسطور وإلا فالظَّاهر أن يقال أي مكنهم من العلم بالربوبية
وتمكنهم بها الخ. وعن هذا قال فيما سيأتي فنزل تمكنهم من العلم بها الخ.
قوله: (إلَى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قالُوا بَلى)
أي الإقرار بالربوبية مع اعتقادها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم الخ. أي
فلا قول لهم حَقيقَة ولا مَجَازًا ولا الإقرار منهم.
قوله: (فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه منزلة الإشهاد والاعتراف) أي شبه
الهيئة المنتزعة من هذه الأمور العديدة بالهيئة المنتزعة من الإشهاد والإقرار لكن الأمور
المشبهة بها مخيلة موهومة غير محققة لأنه كما عرفت لا قول ولا إقرار حَقيقَة ولا مَجَازًا
إذ الاسْتعَارَة التمثيلية لا يقتضي وجود الممثل له وتحققه في الخارج أشار إليه الْمُصَنّف في
آية الكرسي وفي قَوْله تَعَالَى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الآية. وجه
الشبه الهيئة المنتزعة وهي إصابة الحق والنجاة من الخسران وعن النيران.
قوله: (عَلَى طريق التمثيل) متعلق بـ نزل تمكينهم وعطف عليه في سورة الزمر وقال
والتخييل وفي الكَشَّاف هنا من باب التمثيل والتخييل وأراد الشيخان بالتخييل ما قررناه من
أن المشبه به أمر مفروض أوقع في الخيال وصور المعقول المحقق بصورة المحسوس
المفروض الموجود في الخيال إذ إِلْف العامة بالمحسوس أتم وأكمل وإدراكهم له أعم
وأشمل، ولم يرد الشيخان بالتخييل الاسْتعَارَة التخييلية الْمَشْهُورَة فإنها لا تلائم المقام
كما لا يخفى عَلَى ذوي الأحلام، وإنما ترك الْمُصَنّف التخييلية هنا لأن عادته بيان
اللطائف المرغوبة في المواضع المتفرقة لا لتوهم الاسْتعَارَة التخييلية؛ إذ لو كان كَذَلكَ