قَوْلُه تَعَالَى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما ممَّا كَانَا فيه وَقُلْنَا اهْبطُوا بَعْضُكُمْ لبَعْضٍ عَدُوٌّ
وَلَكُمْ في الْأَرْض مُسْتَقرّ وَمَتاعٌ إلى حينٍ (36)
قوله: (أصدر زلتهما عن الشجرة وحملهما على الزلة بسببها) أَشَارَ إلَى أن أزل
متضمن معنى أصدر بالْمَعْنَى اللغوي. وقيل بالْمَعْنَى المصطلح، وإنَّمَا قال الشيخان أصدر
زلتهما ولم يورد الْفعْل المتضمن عَلَى طريق الحال إشَارَة إلَى أن إيراده عَلَى ذلك الطريق
ليس بلازم في التَّضْمين. قوله وحملهما عَلَى الزلة بيان حاصل الْمَعْنَى دون حل المبنى، وقدم
الْمُصَنّف ما يتعلق بحل اللفظ، وصاحب الكَشَّاف عكس الأمر والأحسن مختار الْمُصَنّف .
قوله: (ونظير «عن» هذه) قيل يعني لما كان عن هَاهُنَا للسببية بمعنى الباء فاسْتعْمَال عن
لأنه ضمن معنى الإصدار وعلق به عن التعليلية مع بقاء معنى المجاوزة فيها في الْجُمْلَة؛ لأن
المعلول إذا أبرز بعلته فقد جاوزها فلا يكون هذا من باب الجمع بين المَعْنَيَيْن، بل المجاوزة
منفهمة من الفحوى، ولو قيل بالعكس يعني عن هنا بمعناه الحقيقي وهو المجاوزة صلة
لإصدار كما هُوَ الظَّاهر من اعتبار التَّضْمين، والسببية مُسْتَفَادة من الفحوى ؛ إذ إصدار الشيء
إنما يكون من الْفَاعل والشجرة لا تصلح للفاعلية فلا جرم إنها سبب منزل منزلة الْفَاعل
تجوزًا وكذا (في قَوْله تَعَالَى:(وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري) ما أصدرته عن رأيي
واجتهادي، فعن للمجاوزة بتضمين الإصدار فيفيد السببية، والتوجيه الأول عكس ذلك أي وما
فعلته بسَبَب أمري واجتهادي بل إنما فعلته بأمر الله تَعَالَى:
قوله: (أو أزلهما عن الجنة) عَلَى أن ضمير عنها راجع إلَى الجنة لا إلَى الشجرة كما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: وحملهما عَلَى الزلة بسببها يريد أن أزلهما إذا عاد الضَّمير في عنها إلَى الشجرة
متضمن معنى أصدر وعن للسببية كما في (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْري) أي ما أصدرت
فعلي بسَبَب رأيي واختياري، وإنَّمَا فعلته بأمر الله تَعَالَى كما في قول الشاعر
يمشون دسمًا حول قبته ... ينهون عن أكل وعن شرب الدسم
جمع أدسم كثير الدسم يقال جمل نهى أي سمين. قال الزَّمَخْشَريُّ في الذريات يصدر تناهيهم
في الشمس عنهما ضمن الْفعْل معنى الصدور يصف مفضيافًا يصدر عنه الأضياف شباعًا متناهين في
السمن بسَبَب الأكل والشرب. أي الشَّيْطَان حملهما عَلَى الزلة بسَبَب الشجرة حيث وسوس إليهما
بأن قال هذه شجرة الخلد فكلا منها لتخلدا في الجنة، أو لأن أكلها سبب لصيرورتكما ملكين كما
قال تَعَالَى حكاية عنه (هَلْ [أَدُلُّكَ] عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) وَقَالَ(مَا
نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذه الشَّجَرَة إلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْن أَوْ تَكُونَا منَ الْخَالدينَ).
قوله: وأزلهما عن الجنة. أي أذهبهما عنها هذا عَلَى رجع ضمير عنها إلَى الجنة، فالْمَعْنَى
أزلهما متباعدين عن الجنة، وإنما رجع ضمير عنها عَلَى هذا الوجه إلَى الجنة دون الشجرة كالوجه