قوله: (لأنه في الأصل للمضطرب من مرج إذا اضطرب) نبه به عَلَى أن مارجًا محتاج
إلى البيان فإنه في الأصل للمضطرب وإن كان الْمُرَاد به هنا نار صاف من دخان، كَمَا صَرَّحَ
به أولًا فبالنظر إليه لا يحتاج إلَى البيان، ولهذا اعتذر بقوله لأنه في الأصل الخ. كان تفسيره
بصاف من نار بملاحظة لبيانه بقوله: (من نار) .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(16)
قوله: (مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما) الظَّاهر أن الخطاب للجنس فالْمُرَاد
بالأطوار ما ذكر في سورة نوح بقوله: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) بأن خلقهم أولًا
عناصر ثم مركبات تغذي الْإنْسَان ثم أخلاطًا ثم نطفًا ثم علقًا ثم مضغًا ثم عظامًا ولحومًا
ثم أنشأهم خلقًا آخر. هذا في الْإنْسَان وقس عليه أفراد الجن. ويمكن أن يراد بالأطوار خلقهم
من تراب ثم من طين ثم منْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ثم منْ صَلْصَالٍ لكن مثل هذا ليس بمُتَعَارَف في
أب الجن، والوجه الأول هُوَ المعول لكن الْمُصَنّف حمل الْإنْسَان عَلَى آدم فتأمل.
قوله: (حتى صيركما أفضل المركبات وخلاصة الكائنات) أفضل المركبات من
الحيواظ ت في العالم السفلي، ولا يلزم تفضيل الجن عَلَى الملك والمركب لا يطلق عَلَى
الملك ولو سلم فالْكَلَام بالنسبة إلَى العالم السفلي، ولو سلم العموم فلا يلزم من تفضيل
المجموع تفضيل كل واحد منهما فكون الْإنْسَان أفضل كما هُوَ مذهب جُمْهُور أهل السنة
كافٍ في ذلك ونبه به عَلَى أن الآلاء هنا أطوار مختلفة فلا تكرار وكذا.
قَوْلُه تَعَالَى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ(17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18)
قوله:(مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما. [فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ] . مما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى،
كاعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه إلى غير ذلك) إشَارَة إلَى
أن الآلاء هنا غير ما ذكر فلا تكرار أَيْضًا، وكذا الْكَلَام في البواقي. وفي الكَشَّاف: فَائدَة التكرير
أن يقرع لهم [العصا] مرات. واسْتئْنَاف التَّنْبيه والاستيعاظ إذا سمعوا الحث عَلَى ذلك والبعث
عليه لئلا يغلبهم السهو ولا [تستولي] عليهم الغفلة، وهكذا حكم كل تكرار من القصص
وغيرها كذا بينه في سورة القمر مع زيادة توضيح والمص سعى في دفع التكرار كما عرفته
وستعرفه في سورة والمرسلات.
قَوْلُه تَعَالَى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ(19)
قوله: (أرسلهما من مرجت الدابة إذا أرسلتها) ظاهره أنه مجاز لما مَرَّ من أن المرج
الاضطراب والجري مستلزم للاضطراب. قوله من مرجت الدابة بيان اسْتعْمَاله بهذا الْمَعْنَى.
قوله: (والْمَعْنَى أرسل البحر الملح والبحر العذب) كون أحد البحرين عذبًا والآخر
ملحًا مُسْتَفَاد من مَوْضع آخر قال تَعَالَى في سورة الفرقان:(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا
عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ)أي بلجغ الملوحة والْقُرْآن يفسر بعضه بعضًا.