بعد انقلابه مرفوعًا وهذا هُوَ الْمُرَاد بقوله وإيصال الْفعْل إلَى الضَّمير ولاحتياجه إلَى التقدير
أخَّره مع أن الكفر ضد الإيمان أقوى في التوبيخ وكونه جزاء.
قوله: (وقرئ «لِمَنْ كَفَرَ» أي للكافرين) بصيغَة المبني للفاعل فالْمُرَاد بمن الكافر كما
قال أي للكافرين وكون ما فعل جزاء للكافرين ظَاهر، وفي الأول الْجَزَاء للكافر أَيْضًا عَلَى أن
اللام في (لمن كفر) للتعليل أي فعلنا ذلك جزاء للكافرين لأجل كفر من كفر واللام في الثاني
للصلة وإفراد كفر في الثاني باعْتبَار لفظ مَن. وقول الْمُصَنّف أي للكافرين باعْتبَار معناه.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(15)
قوله: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا. أي السفينة أو الفعلة) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا. أي وباللَّه لقد تركنا لقد
صيرناها آية أو تركناها حال كونها آية يعتبر بها نبه به عَلَى وجه كونها آية.
قوله: (يعتبر بها) من شأنها أن يعتبر ويتعظ بها فيعم أو يعتبر بها أولو الأبصار.
قوله: (إذ شاع خبرها واشتهر) رد لقول من قال إنها بقيت عَلَى الجودي زمانًا مديدًا
فإن مجرد البقاء بلا شيوع الخبر غير مفيد عَلَى أنه غير مسلم. الفاء في (فهل من مدكر)
لتفريع ما قبله. أي إذا كان الأمر كَذَلكَ فهل يوجد من مدكر؟ الظَّاهر أن
الاسْتفْهَام للإنكار تنبيهًا عَلَى قلة المعتبر كأنه لم يوجد. وكلمة مِنْ لِلتَّبْعِيضِ كما هُوَ الظَّاهر.
قوله: (معتبر وَقُرئَ «مذتكر» على الأصل، و «مذكر» بقلب التاء ذالًا والْإدْغَام فيها) وفي
القراءة الأولى بقلبها دالًا مهملة والتفصيل في كتب الصرف.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ(16)
قوله: (اسْتفْهَام تعظيم ووعيد) ومرجعه تعجيب. أي كل من يطلع عليها تعجب منهما
لكمال عظمهما وشدتهما فكانا عَلَى كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف ولا يضبطها القلم
فيكون وعيدًا أكيدًا.
قوله: (والنذر يحتمل المصدر والجمع) يحتمل المصدر أي إنذاري وهو الظَّاهر
وبهذا فسره به في أكثر المواضع ولذا قدمه. والجمع أي جمع نذير بمعنى الإنذار فالجمع
لاخْتلَاف الأنواع أي إنذاراتي كما سيصرح به فالمآل واحد وكونه بمعنى المنذر أو المنذر
به ضعيف لأن العذاب المنذر به يكون تأكيدًا حِينَئِذٍ والتأسيس خير من التَّأْكيد.
قوله تَعَالَى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(17)
قوله: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا) أي وباللَّه لقد يسرنا إيراده بالقسم للاعتناء
بمضمون الْجُمْلَة والمُبَالَغَة في تحققها، وهذه الْجُمْلَة القسمية بعد تمام القصة الْمَذْكُورة
لتقرير مضمون قَوْلُه تَعَالَى: (ولقد جاءهم من الأنباء) الآية. فإن الْمُرَاد ولقد
جاءهم في الْقُرْآن، كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف.