والمُبَالَغَة من حيث إنهم نفوا عنه كونه من عداد الواعظين وجنسهم فكأنهم قَالُوا استوى
عندنا وعظك بعدم عدك من هذا القبيل أصلًا ، وعدم كونه من قبيل الواعظين أبلغ من عدم
كونه واعظًا لأن الأول يفيد عدم كونه من هذا الجنس بالْفعْل ولا بالْقُوَّة بخلاف الثاني
والاسْتمْرَار المستفاد من كان يعتبر بعد النفي فيفد اسْتمْرَار النفي ودوامه لا نفي الدوام
واسْتمْرَاره أو لرعاية الفاصلة سواء بمعنى الاستواء نعت به كما نعت وبالمصادر خبر مقدم
أوعظت الخ. مبتدأ تقديره مستو وعظك وعدمه علينا والهمزة وأم المتصلة جردتا عن معنى
الاسْتفْهَام لمجرد الاستواء وتقرير معنى سواء وتأكيده وقد مر التَّفْصيل في قَوْله تَعَالَى:
(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ(137)
قوله:(ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأوليين، أو ما خلقنا هذا إلا خلقهم نحيا
ونموت مثلهم ولا بعث ولا حساب)ما هذا الخ. أشار إلَى أن إنْ بمعنى النفي بقرينة إلا
أوردوا الْكَلَام بطَريق الحصر مبالغة في الإنكار وتعصبًا في العناد والاستكبار. إلا كذب
الأولين هذا عَلَى قراءة خَلْق الأولين بفتح الخاء وسكون اللام من الاختلاق أي الكذب
وإضافته إلَى الأولين لكونه من مخترعاتهم عَلَى زعمهم، والْمُرَاد بما [جئتنا] به البعث
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وهو أن يقال أم لم تعظ ليكون المنفي هنا هُوَ المثبت في المقابل الآخر وهو أوعظت فكان مقتضى
الظَّاهر أوعظت أم لم تعظ لكن غير طرف النفي عن مقتضى الظَّاهر إلَى أم لم تكن من
الواعظين، قد ورد النفي كونه من أهل الوعظ وزمرة الواعظين لا عَلَى فعل الوعظ للمبالغة
في قلة اعتدادهم بوعظه، فالْمَعْنَى سواء علينا أفعلت هذا الوعظ أم لم تكن أصلًا من أهل
الوعظ فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه أم لم تعظ. وجه أبلغيته منه أنه أدل عَلَى شدة امتناعهم
عن قبول وعظه حيث سووا بين تكلمه بالوعظ وبين عدم صلاحيته له. أي كما أنا لا نتعظ
بوعظك ولا نتأثر به حين كونك غير أهل للوعظ كَذَلكَ لا نتعظ ولا نتأثر به إن وعظت بخلاف
أوعظت أم لم تعظ لأن التسوية بين الوعظ وتركه في عدم التأثير ليست في تلك المثابة من
الدلالة عَلَى شدة الامتناع والإعراض ؛ إذ يمكن الاتعاظ فعل الواعظ وإن لم يعظ قولا إذا كان
صالحًا للوعظ أهلًا له، ولذا قيل الواعظ بالْفعْل نافذ سهامه والواعظ بالْقَوْل ضائع كلامه فَكَيْفَ
إذا كان أهلًا للوعظ قولًا وفعلًا .
قوله: ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأوليين. هذا عَلَى قراءة الفتح من خلق بمعنى اختلق أي
افترى والافتراء كذب، فعلى هذا التَّفْسير يكون المشار إليه لهذا ما جاء به نوح من أحكام الشرع
وقوله: أو ما خلقنا [هذا] إلا خلقهم. هُوَ عَلَى قراءة الفتح أَيْضًا لكن الخلق هنا من خلق بمعنى قدر
وأوجد والمشار إليه هُوَ الخلق بمعنى الإيجاد أَيْضًا. قوله في جوفه شماريخ القنوان جمع قنو
بالكسر الكباسة وهي في التمر بمنزلة العنقود في العنب والشماريخ جمع شمراخ بالكسر وهو ما
عليه البُسْرُ مِن عِيدانِ الْكِباسَةِ.