بالنسبة إلَى الأول ولو قيل الْمُرَاد بجنات النعيم منزلة من منازل الجنة لا مُطْلَقًا فحِينَئِذٍ
تحسن الحالية فيقال هذا مع عدم ملائمته لإيرادها جمعًا لا ينتظم مع كل مؤمن والتَّخْصِيص
خلاف الظَّاهر.
قوله: (أو متعلق بـ تجري أو بـ يهديهم) أي أو متعلق بـ يهديهم أي عَلَى الْمَعْنَى الأخير
ولا يصح عَلَى المَعْنَيَيْن الأولين مع أن الْمُصَنّف تعرض لهما بل رجحهما حيث قدمهما
وفيه نوع ضعف ومن هذا أخَّره وزيفه.
قَوْلُه تَعَالَى: (دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعالَمِينَ (10)
قوله: (دعواهم) مبتدأ (فيها) متعلق بها وقوله (سبحانك اللهم) خبره والْجُمْلَة مُسْتَأْنَفَة
كأنه قيل وما بالهم فيها بعد ما أكرموا بأصناف الكرامات وما عاينوا عظمة الله تَعَالَى بإظهار
الصفات ويلقون بالسلامة عن الآفات، فأجيب بذلك ومن هذا اخْتيرَ الفصل وترك العطف
رالخبر جملة إنشائية مؤولة بالْقَوْل أي دعاءهم في الجنة قولهم هذا.
قوله: (أي دعاؤهم) الدعوى يتبادر الادعاء واستعملت في الدعاء أيضًا وقد اختاره
الْمُصَنّف بقرينة ما بعده ولأنه مخ الْعبَادَة كما ورد في الْحَديث:"الدعاء مخ الْعبَادَة"ويكون
أَيْضًا بمعنى الْعبَادَة وقد جوزه صاحب الكَشَّاف أَيْضًا كما في قَوْله تَعَالَى:(وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا
تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)إيذانًا بأنه لا تكليف في الجنة أي لا عبادة لهم إلا هذا
الْقَوْل وليس بعبادة كقَوْله تَعَالَى: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً)
الآية. والْمُرَاد نفي التكليف، ولا يخفى عليك أنه لا يفهم من هذا القصر وأن
الدعاء من جنس الْعبَادَة بل مخها. كما ورد في الْحَديث وقد ذكرناه آنفًا فَكَيْفَ يكون من
قبيل قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ) الآية. ونفي التكليف من
أهل الجنة معلوم من النصوص الأخر، فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: عَلَى تَجْويز كون الْمُرَاد الْعبَادَة أن
عبادتهم التسبيح والدعاء والحمد لكن لا تكليفًا بل تلذذًا كما اعترف به صاحب الكَشَّاف
حيث قال يلهمونه فينطقون به تلذذًا لا تكليفًا انتهى. وقد ورد في الخبر اللطيف يلهمون
التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس رواه مسلم وقد نقله صاحب المشكاة وقال شارحه
علي القاري والخاص أنه لا يخرج منهم نفس إلا مقرونًا بذكره وشكره تَعَالَى.
قوله: (اللهم إنا نسبحك تسبيحًا) إشَارَة إلَى أنه للدعاء لأن اللهم نداء كَمَا صَرَّحَ به
أولا وقدم اللهم مع أنه مؤخر تنبيهًا عَلَى أن النداء في مقام الدعاء مقدم رتبة ومعنى وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو متعلق بـ تجري. هذا جائز عَلَى الْوُجُوه الْمَذْكُورة أَيْضًا، وأما قوله أو بـ يَهْدي
فمَخْصُوص بالوجه الأخير. والْمَعْنَى (يَهْديهم ربهم) إلَى ما يُريدُونَه في جنات النعيم
فإن الهداية إلَى ما يُريدُونَه في الجنة.