قوله: (خائفون من اللَّه متذللون له ملزمون أبصارهم مساجدهم) خائفون الخ. إذ أصل
الْخُضُوع الإخبات وهو التواضع. قوله متذللون له إشَارَة إليه قوله خائفون لازم معناه ملزمون
الخ. إذ التواضع التام إنما يتحقق به مع أنه مؤيد بما روي الخ. مساجد جمع مسجد بفتح
الميم والجيم مَوْضع السجود .
قوله:(روي أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ كان يصلي رافعًا بصره إلى السماء، فلما نزلت رمى ببصره نحو
مسجده وأنه رأى رجلًا يعبث بلحيته فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» )بيان الخوف
يعبث بلحيته أي بعمل قليل لا يفسد به الصلاة لو خشع الخ. إشَارَة إلَى أن محل الْخُشُوع
أي التذلل القلب، وخُشُوع الجوارح كناية عن سكونتها فإن القلب لما كان في [الجسد]
كالملك المطاع كان مدارًا لكل صلاح الأعضاء، كَمَا صَرَّحَ به في الْحَديث. قال في سورة
البقرة ولذلك يقال الخشوع بالجوارح والْخُضُوع بالقلب لا يلائم ما ذكره هنا لكن في
اسْتعْمَال اللَّفْظ فسحة. قوله رمى ببصره مجاز عن توجهه إلَى ما لا يهم، ولما كانت الصلاة أم
العبادات وكان كمالها بمحافظة آدابه قدم هذا .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)
قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ عما لا يعنيهم من قول [أو فعل] ) أعيد الموصول تنبيهًا عَلَى
استقلال صلته في وصف الْكَمَال والعطف لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذوات وقس
عليه ما عداه، ولما كان الإعراض عن اللغو في الصلاة سببًا للخُشُوع عقبه به .
قوله: (لما بهم من الجد ما يشغلهم عنه) لما بهم الجار والمجرور صلة لما أو صفته.
قوله من الجد بيان ما يشغلهم قدم عليه للاهتمام .
قوله: (وهو أبلغ من الَّذينَ لا يلهون من وجوه) أبلغ من المُبَالَغَة بحذف الزوائد عَلَى
ما جوزه الكوفيون، أو من البلاغة من الَّذينَ لا يلهون وكذا قَوْلُه تَعَالَى: (والَّذينَ هم في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو أبلغ من الَّذينَ لا يلهون من وجوه جعل الْجُمْلَة اسمية وبناء الحكم عَلَى الضَّمير
والتَّعْبير عنه بالاسم، وتقديم الصلة عليه وإقامة الإعراض مقام الترك. وجه الأبلغية في اسمية الْجُمْلَة
دلالتها عَلَى الدوام وفي بناء الحكم عَلَى الضَّمير تكرر الإسناد المفيد لتقوي الحكم وفي التَّعْبير
عن الضَّمير بالاسم الذي هُوَ معرضون حيث لم يقل يعرضون الدلالة عَلَى الثبات وفي تقديم الصلة
وفي عن اللغو عَلَى معرضون إفادة التَّخْصِيص والقصر وفي إقامة الإعراض مقام الترك الدلالة عَلَى
[بعدهم] عن اللغو بالكلية فإن المعرض من لا يلتفت إلَى ما أعرض عنه مباشرة وتسببًا وميلًا
وحضورًا في الخيال بخلاف التارك فإنه يجوز ولا يبعد أن يميل لطلبه إلَى ما تركه أو يحضره في
لوح خياله أو يكون سببًا لأن يباشره غيره وإن لم يفعله. قال صاحب الكَشَّاف لما وصفهم بالخشوع
في الصلاة اتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الْفعْل والترك الشاقين عَلَى الأنفس
اللذين هما قاعدتا بناء التكليف .