قَوْلُه تَعَالَى: (اللَّهُ يَسْتَهْزئُ بهمْ وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ(15)
قوله: (يجازيهم عَلَى استهزائهم) هذا بناء عَلَى أن الْكُفَّار يعاقبون بارْتكَاب المناهي مما
سوى الكفر أَيْضًا وهذا مذهب الشَّافعي والعراقيين من مشايخنا، وأما الْمَعْنَى عَلَى مذهب
جُمْهُور الْحَنَفيَّة يجازيهم عَلَى ترك اعتقاد حرمة الاسْتهْزَاء لأن الْكُفَّار وإن لم يؤاخذوا بترك
الفروع لكنهم مؤاخذون بترك اعتقادها اتفاقًا كما في فصل في الأصول معنى المجازاة المكافأة
والمقابلة خيرًا كان أو شرا، وإنَّمَا احتاج إلَى هذا التوجيه لأن الاسْتهْزَاء محال عَلَى الله تَعَالَى
لكونه جهلًا بمعنى السفه فإن ارْتكَاب الذنب سفه وتجاهل، وهو الْمُرَاد من قَوْلُه تَعَالَى حكاية
عن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: (أَعُوذُ باللَّه أَنْ أَكُونَ منَ الْجَاهلينَ) في جواب
(أَتَتَّخذُنَا هُزُوًا) لا الجهل بالْمَعْنَى المعروف هذا مما ذهب إليه كثير من أهل
السنة والجماعة ؛ إذ الاسْتهْزَاء لعب ولهو يجب تنزيه الله تَعَالَى عنه كالمخادعة والمكر فحيث
أطلق عليه تَعَالَى يراد به الْمَعْنَى المجازي كما فصله الْمُصَنّف وذهب بعضهم إلَى أن حَقيقَة
الاسْتهْزَاء التحقير عَلَى وجه من شأنه يتعجب منه ويضحك وأي استحالة في وقوع هذا من
الله تَعَالَى انتهى. أقول: منشأ الاستحالة كونه مشتملًا عَلَى اللعب واللهو بحَيْثُ يتعجب منه
ويضحك كما اعترفوا به وفعل الله تَعَالَى لا يكون بحَيْثُ يتعجب منه ويضحك بل يكون
بحَيْثُ يتعجب منه ويحصل الاعتبار به والاستدلال عَلَى كمال قدرته فكلام هذا البعض مما
يتعجب منه وتسكب العبرات لأجله ؛ إذ منشأ الضحك كَيْفَ يسند إلَى الله تَعَالَى عَلَى طريق
الوصف. نعم لو قيل الاسْتهْزَاء حَقيقَة بمعنى الانتقام كما ذهب إليه البعض صرح به صاحب
اللباب، وقال ولو قيل أصله الانتقام لكان الْقَوْل بأنه وصف له تَعَالَى حَقيقَة لكان سديدًا وقائله
سعيدًا وهذا مجمل ما نقل عن علم الهدى في التأويلات وإلا فما اعتبر في معناه السخرية
واللعب، كَمَا صَرَّحَ به في اللباب أَيْضًا فاستحالة وقوعه من اللَّه تَعَالَى من أجلى البديهيات .
قوله: (سمي جزاء الاسْتهْزَاء باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئة) أي مَجَازًا مرسلًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: سمي جزاء الاسْتهْزَاء باسمه الخ. لما لم يجز إسناد حَقيقَة الاسْتهْزَاء إلَى الله تَعَالَى لأن
الاسْتهْزَاء والسخرية من باب العبث والجهل، أَلَا [تَرَى] إلَى قَوْلُه تَعَالَى(قَالُوا أَتَتَّخذُنَا هُزُوًا قَالَ
أَعُوذُ باللَّه أَنْ أَكُونَ منَ الْجَاهلينَ)والله تَعَالَى متعالٍ عن ذلك صرفه عن ظاهره بأن
حله أولًا عَلَى المشاكلة وهي أن يذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته مثل(وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ
سَيّئَة مثْلُهَا)فإن جزاء السيئة ليس سيئة لأنه عدل حسن لكن لما وقع في صحبته
ذكر السيئة عبر عنه باسم السيئة كقَوْله تَعَالَى: (فَمَن اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه)
وقول الشاعر: قلت اطبخوا لي جبة وقميصًا. في جواب قولهم: قَالُوا اقترح شَيْئًا يجد لك طبخه. حيث
عبر عن الخياطة بالطبخ لوقوعه في صحبة ذكر الطبخ وثانيًا عَلَى الاسْتعَارَة المفردة حيث شبه [جزاء]
الاسْتهْزَاء بالاسْتهْزَاء في القدر أي في أن المجازى به فعل واحد كالمجازى عليه لا أزيد منه ولا
أنقص لأن الاسْتهْزَاء سيئة (وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَة مثْلُهَا) لا حسنة حتى يكون جزاؤها
بعشر أمثالها أو شبه [رجوع] وبال الاسْتهْزَاء عليهم بالاسْتهْزَاء في إصابة المكروه المشتركة بين المشبه