المطلوب ولا يقدر عليه سوى الله تَعَالَى، وأما الهداية بمعنى الدلالة عَلَى هنا يوصل إلَى البغية
فثابت له عَلَيْهِ السَّلَامُ بالنسبة إلَى كافة الأنام فلا يصح أن تكون مرادة هنا كما لا يخفى .
قوله: (وإن انضم إلَى عدم البصر) المُسْتَفَاد من قوله: (تهدي العمي) .
فالْمُرَاد بعدم البصر كون أبصارهم مؤوفة بحيث لا [تتجلى] لهم الآيات والمعجزات فهذا
أَيْضًا من قبيل تشبيه الموجود عديم النفع بالمعدوم .
قوله: (عدم البصيرة) حمل قوله: (لا يبصرون) عَلَى عدم البصيرة لا
عدم البصر لمقابلة العمى والبصيرة قوة للنفس تدرك بها المعقولات كما أن البصر قوة
تدرك بها المحسوسات والمبصرات وسلب البصيرة عَلَى بابه ليس من قبيل تشبيه الموجود
لعدم غنائه بالمعدوم وإن أمكن ذلك بالتَّكَلُّف .
قوله: (فإن المقصود من الإبصار هُوَ الاعتبار والاستبصار) علة لمقدر وهو الإبصار
والنظر المثبت لهم جعل معدومًا فإن المقصود والغرض من الإبصار هُوَ الاعتبار أي رد
الشيء في نظيره، والاستدلال بالمبصرات الغريبة عَلَى قدرة صانعها وصدق من ظهرت في
يده فإذا فات هذا المقصود يصح أن يسلب البصر عنه كما يصح أن يسلب عن الأعمى
حَقيقَة وإلى هذا أشار بقوله (والعمدة في ذلك البصيرة) .
قوله: (ولذلك تحدس الأعمى المستبصر) برهان إني لذلك يحدس أي يدرك سريعًا
وينقل إلَى المطلوب دفعة (ويتفطن) عطف تفسير للحدس (لما لا يدركه البصير الأحمق) .
قوله: (والآية) أي وآية (ومنهم من يستمع) الآية. (ومنهم من ينظر)
الآية. (كالتعليل للأمر بالتبرؤ والإعراض عنهم) فإنهما تفيدان أنهم لا يقبلون
التطهير وكانوا يخرجون عن الاستصلاح فهم رجس ومأواهم جهنم فيليق الإعراض عنهم
وعن الاشتغال بدعوتهم بعد ظهور أحوالهم .
قَوْلُه تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(44)
قوله: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ) أي لا يعاملهم معاملة الظلم (شَيْئًا)
مَفْعُول مطلق أي ظلمًا ما أو مَفْعُول به أي شَيْئًا من الظلم .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
(أفأنت) دلالة عَلَى أنه لا يقدر عَلَى أسماعهم وهدايتهم إلا الله عز وجل بالقسر
والإلجاء يعني في تكرير (أفأنت) في الموضعين مع ما فيه من تقديم الْفَاعل
المعنوي وإيلاء همزة الإنكار الدلالة عَلَى نبي الله عليه السلام تصور في نفسه لحرصه عَلَى إيمان
القوم أنه قادر عَلَى [الإسماع] والهداية وأنه تَعَالَى يسلب ذلك الْمَعْنَى منه ويثبته لنفسه عَلَى الاخْتصَاص
فكأنه قيل: أنا قادر عَلَى ذلك لا أنت. فرجوع نفي الإسماع إلَى نفي القدرة عَلَى الإسماع مُسْتَفَاد من
قرينة الحال والمقام، ومن ذلك قال القطب: قوله تسمع وتهدي مفسر بالقدرة عَلَى الإسماع والهداية
لاقتضاء والمقام ذلك فرجع الْكَلَام إلَى ما أنت تقدر عَلَى الإسماع والهداية فتقديم أنت وهو فاعل
معنوي يدل عَلَى نفي القدرة عن الرَّسُول وثبوتها [لله] تَعَالَى.