فهرس الكتاب

الصفحة 2661 من 10841

قوله: (في استحقاق الْمَغْفرَة) هذا بالنسبة إلَى المذنب قوله (أو الاستعداد لها) أي

الْمَغْفرَة بالنسبة إلَى من لم يذنب، وفيه إشَارَة إلَى أن الْمُرَاد بالتَّقْوَى هنا المرتبة الأولى

وحمل بعضهم التَّقْوَى هنا عَلَى التبتل إلَى الله تَعَالَى والإعراض عَمَّا سواه، ولا يلائم قوله:

(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا [إِنَّنَا] آمَنَّا) الآية. والباعث له وصفهم بالنعوت الآتية لكن الأولى حملها

على التحقق في الْجُمْلَة فيعم جميع الْمُؤْمنينَ فيحسن الحصر المُسْتَفَاد من تقديم(للَّذينَ

اتقوا)عَلَى (جنات) ولو حمل التَّقْوَى عَلَى المرتبة الوسطى فضلًا عن المرتبة العليا لاحتيج

في تصحيح الحصر بأن يقال إن الْمُرَاد أن لِلْمُتَّقِينَ جنات بلا حساب ولا عذاب

(الصابرين) الآية. هذا وصف لِلْمُتَّقِينَ أي للَّذينَ فيكون مجرورًا إما صفة

مدح أو مخصصة أو صفة للعباد مثل الَّذينَ يقولون، ويجوز أن يكون بدلًا من قوله(للَّذينَ

اتقوا)ومن قوله: (الَّذينَ يقولون) .

قَوْلُه تَعَالَى: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ(17)

قوله: (حصر لمقامات السالك) الخ. الْمُرَاد بالمقام المقام المعنوي الذي لا يتخطاه

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *

قوله: حصر لمقامات السالك الخ. قَالَ الإمام: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى [حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا ثُمَّ إِنَّهُمْ قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ (فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ تَوَسَّلُوا بِمُجَرَّدِ الْإِيمَانِ إِلَى طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى حَكَى ذَلِكَ عَنْهُمْ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ لَهُمْ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ بِمُجَرَّدِ الْإِيمَانِ يَسْتَوْجِبُ الرَّحْمَةَ وَالْمَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى] ثم قَالَ[فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ أَنَّهُ تَعَالَى اعْتَبَرَ جُمْلَةَ الطَّاعَاتِ فِي حُصُولِ الْمَغْفِرَةِ حَيْثُ أَتْبَعَ هَذِهِ الْآيَةَ بِقَوْلِهِ (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ) .

قُلْنَا: تَأْوِيلُ هَذِهِ الآية مَا ذَكَرْنَاهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ مُجَرَّدَ الْإِيمَانِ وَسِيلَةً إِلَى طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهَا صِفَاتِ الْمُطِيعِينَ وَهِيَ كَوْنُهُمْ صَابِرِينَ صَادِقِينَ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ شَرَائِطَ لِحُصُولِ هَذِهِ الْمَغْفِرَةِ لَكَانَ ذِكْرُهَا قَبْلَ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ أَوْلَى، فَلَمَّا رَتَّبَ طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِيمَانِ،] ثم ذكر بعده هذه

الصفات علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في حصول كمال الدرجات. ذكر هَاهُنَا صفات خمسة

الصّفَة الأولى كونهم صابرين، والْمُرَاد الصبر في أداه الواجبات والمندوبات وفي ترك المحظورات

والصبر في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد وذلك بأن لا يجزعوا بل يكُونُوا راضين في قُلُوبهمْ

عن الله تَعَالَى كما قال: (إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: كَوْنُهُمْ صَادِقِينَ، اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الصِّدْقِ قَدْ يَجْرِي عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالنِّيَّةِ، فَالصِّدْقُ فِي الْقَوْلِ مَشْهُورٌ، وَهُوَ مُجَانَبَةُ الْكَذِبِ وَالصِّدْقُ فِي الْفِعْلِ الْإِتْيَانُ بِهِ وَتَرْكُ الِانْصِرَافِ عَنْهُ قَبْلَ تَمَامِهِ، يُقَالُ: صَدَقَ فُلَانٌ فِي الْقِتَالِ وَصَدَقَ فِي الحملة، وَيُقَالُ فِي ضِدِّهِ: كَذَبَ فِي الْقِتَالِ، وَكَذَبَ في الحملة، وَالصِّدْقُ فِي النِّيَّةِ إِمْضَاءُ الْعَزْمِ وَالْإِقَامَةُ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْفِعْلَ.

الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: كَوْنُهُمْ قَانِتِينَ، وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الدَّوَامِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا.

الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ: كَوْنُهُمْ مُنْفِقِينَ وَيَدْخُلُ فِيهِ إِنْفَاقُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ وَصِلَةِ رَحِمِهِ وَفِي الزَّكَاةِ وَالْجِهَادِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْبِرِّ.] الصّفَة الخامسة الاستغفار بالأسحار قَالُوا الْمُرَاد به من يصلي بالليل ثم تبعه

بالاستغفار والدعاء لأن الْإنْسَان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلى قبل ذلك. فقوله:

(وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) يدل عَلَى أنهم كانوا قد صلوا بالليل [قبل] الاستغفار

بالأسحار لأن السحر له مزيد أثر في كمال العبودية لما ذكره من كون الْعبَادَة فيه أشق الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت