والبعث والحساب والجزاء على تمثيل حاله بحال عبد قدم على سيده بعد زمان مديد وقد
اطلع السيد على أحواله، فأما أن يلقاه ببشر لما رضي من أفعاله أو بسخط لما سخط منها)
في الجنة فإن الْمُرَاد رؤية الله تَعَالَى بلا كَيْفَ كما هُوَ مذهب أهل السنة، ويلزمه كل خير
ونعيم والنجاة عن عذاب أليم مرض الْقَوْل الْمَذْكُور لأنه خلاف الظَّاهر بلا داع. قوله عَلَى
تمثيل حاله الخ. كالصريح في كونه اسْتعَارَة تمثيلية شبه حاله بحال من لقي ملكًا عظيمًا
إحسانه فأكرم فوق ما يتمناه فذكر ما هُوَ الموضوع للمشبه به وأريد المشبه كما أوضحه
الْمُصَنّف قوله أو بسخطه الخ. فيكون كقَوْله تَعَالَى: (وقدمنا إلَى ما عملوا من عمل)
الآية. ذكره استطرادًا وحمله عَلَى تقدير الْمُضَاف أو الْقَوْل بأنه مَجَاز مُرْسَل
لاسْتعْمَاله في لازمه مخالف لظاهر كلام الْمُصَنّف مع أنه يخل [بالمُبَالَغَة] .
قوله: (فإن الوقت المضروب للقائه) أي المتعين للقائه بتقدير الْمُضَاف بأي معنى كان .
قوله:(لجاء وإذا كان وقت اللقاء آتيًا كان اللقاء كائنًا لا محالة، فليبادر ما يحقق أمله
ويصدق رجاءه أو ما يستوجب به القربة والرضا)لجاء فيه اسْتعَارَة تبعية مصرحة. قوله كان
اللقاء كائنًا فهذا أبلغ من الْقَوْل فإن لقاء الله لآت لكونه كناية ؛ إذ مجيء الوقت كناية عن
حصول ما فيه. قوله فليبادر إشَارَة إلَى جواب الشرط وما ذكر علته أقيمت مقامه وما يحقق
أمله هُوَ الطاعات بالنيات الخالصات أَشَارَ إلَى أن الرجاء هُوَ الأمل لا بمعنى الخوف لأنه لا
يناسب المقام وإن استعمل في كلامه بمعناه. قوله ويصدق رجاءه كالتَّفْسير لما قبله ؛ إذ
التصديق هنا بمعنى التحقيق لا بمعناه الْمَشْهُور. قوله أو ما يستوجب القربة عطف عَلَى ما
يحقق أمله. هذا ناظر إلَى كون الْمُرَاد بلقاء الله الوصول إلَى العاقبة من الموت، فإنه لا يصح
الْقَوْل بما يحقق أمله فإنه محقق لا محالة سواء كان يعمل الصالحات أو لا، وأما الرؤية أو
الوصول إلَى الثواب إنما هُوَ بالمبرات فهو يحقق ما يتمناه ويكون باعثًا لحصوله بمقتضى
الوعد (لأقوال العباد) .
قوله: (بعقائدهم وأفعالهم) وفيه دليل عَلَى أن السمع صفة غير العلم ختم به الآية؛ إذ
الرجاء الْمَذْكُور إنما يفيد إذا قارن الْأَعْمَال الصالحة فهي إما أقوال أو أفعال أو اعتقادات
فيكون وعدًا عَلَى حصول رجاءه وينفهم منه الوعيد في ترك المأمورات وارْتكَاب المنهيات.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ(6)
(وَمَنْ جاهَدَ) هذا أبلغ من الْقَوْل (ومن يعمل من الصالحات)
من وَجْهَيْن(نفسه بالصبر على مضض الطاعة والكف عن الشهوات. فَإِنَّما
يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بالصبر عَلَى مضض الطاعة. المضض من أمضني الجرح إمضاضًا إذا رجعك والكحل
يمض العين أي يحرقها، والمضض وجع المصيبة، والْمُرَاد هنا تعب الطاعات ومشقة التكاليف
المقربة إلَى رضا الله تَعَالَى.