مفعلًا قليلًا غير مُتَعَارَف أخّره وضعفه، ثم قوله آياته بيان حاصل الْمَعْنَى؛ إذ الْمُرَاد بالْكتَاب
حِينَئِذٍ السُّورَة بقرينة قوله: (لم ينسخ شيء منها) والسُّورَة عبارة عن الآيات لا إشَارَة إلَى
الْمَجَاز في الإسناد لم ينسخ أي المحكم قد يستعمل في مقابلة المتشابه وفي مقابلة
المنسوخ واختاره الْمُصَنّف هنا ومما يناسب من معاني المحكم هنا كونها محكمة أي
محفوظة عن اختلال من جهة اللفظ. والْمَعْنَى أو محكمة بالحجج والدلائل كما أشار إليه في
أوائل سورة هود عَلَيْهِ السَّلَامُ.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا
أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (2)
قوله: (اسْتفْهَام إنكار للتعجب) أي إنكار للواقع لا للوقوع للتعجب لامه صلة الإنكار
ترك قول الزَّمَخْشَريّ بعد قوله الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه؛ إذ كون الاسْتفْهَام
للتعجيب أو للتعجب معنى مجازي مغاير لكونه للإنكار وإن أمكن توجيهه بأن مراد
الزمخشري بيان لازم الْمَعْنَى الْمُرَاد؛ إذ التعجيب مما يلزم الإنكار الواقعي لا أنه يراد بالهمزة
هذا الْمَعْنَى التعجيبي.
قوله: (وعجبًا) خبر كان) قدم عَلَى اسمه لأنه محل الإنكار فكان أهم
وبالتقديم أتم، ومن هذا اختار الْمُصَنّف هذه القراءة عَلَى أن الأمر بالعكس أي عجب اسم كان
و (أن أوحينا) خبره وهو معرفة؛ إذ إن مع الْفعْل في تأويل المصدر الْمُضَاف إلَى المعرفة لا
محالة لأن الْفعْل لا بد وأن يكون مسندًا إلَى الْفَاعل فيلزم ما ذكرنا فيكون إخبارًا عن النكرة
بالمعرفة وفي جوازه مقال، ولعل الْمُصَنّف اختار كونه جائزًا مُطْلَقًا أو في باب النواسخ مُطْلَقًا أو
إذا كانت مدخولة للنفي أو ما هُوَ في حكمه كالاسْتفْهَام الإنكاري، كما قرره التفتازاني في شرح
التلخيص وهذا الوجه الأخير هُوَ الأحرى بالاختيار، ولذا لم يلتفت إلَى قول الزَّمَخْشَريّ والأجود
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: بدل من غيب أي عَلَى تقدير القراءة بالرفع واللام في (للناس) للبيان كما في (هيت لك)
فهو متعلق بمَحْذُوف دل عليه عجبًا لا به؛ لأن مَفْعُول المصدر لا يتقدم عليه، ويجوز أن يتعلق
بالْمَذْكُور للاتساع في الظروف كما في ( [فَلَمَّا] بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) وفي الكَشَّاف
وقرأ ابن مسعود عجب فجعله اسمًا وهو نكرة و (أن أوحينا) خبرًا وهو معرفة كقوله يكون مزاجها
عسل وماء. ثم قال: والأجود أن يكون كان تامة و (أن أوحينا) بدلًا من عجب، وإنَّمَا كان ذلك أجود؛ إذ
في الأول يلزم جعل المبتدأ الذي حقه أن يكون معرفة نكرة، وجعل الخبر الذي حقه أن يكون نكرة
معرفة، ولذا قَالُوا هُوَ من باب القلب وهذا وإن كان جائزا بدون اعتبار القلب نظرًا إلَى أن الخبر عين
المبتدأ ذاتًا وإن كان يغايره مفهومًا عَلَى ما مَرَّ مثله واستوفى فيه البحث في تفسير قَوْلُه تَعَالَى
(وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا) لكن لا يخلو عن تكلف. فإن قيل: هب أنه
أجود بالنسبة إلَى القراءة بالرفع عَلَى أن كان ناقصة فما وجه كونه أجود عَلَى القراءة بالنصب؟ قلنا
تقديم الخبر عَلَى الاسم وإن كان جائزًا في العربية عدم التقديم إلا إذا ادعاه داعٍ، وليس في جعل
كان تامة تكلف.