السالفة ولو سلم فالوعد من قبيل الْإخْبَار لا الإنشاء، ولو سلم فعطف الإنشاء جائز عند
بعضهم واختاره صاحب الكَشَّاف.
قَوْلُهُ تَعَالَى:[(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ
الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) ]
قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ) أي برسله والمعجزات
بقرينة (ويقتلون النبيين) والأولى التعميم (بِغَيْرِ حَقٍّ) نكره هنا لأن الْمَعْنَى أن القتل
يكون بوجوه من الحق (ويَقْتُلُونَ الَّذينَ) بِغَيْرِ حَقٍّ ما من تلك الحقوق بلا تعيين، وأما
التعريف في سورة البقرة فلأن الْمُرَاد هناك بغير الحق المعروف بينهم بما أذن القتل فيه
وروعي كلا الاعتبارين في الموضعين أي بِغَيْرِ حَقٍّ عندهم ؛ إذ لم يروا منهم ما يعتقدون
جواز قتلهم، وإنَّمَا قتلوا مع علمهم بأنهم لم يستحقوا القتل.
[قوله: (هم أهل الْكتَاب الَّذينَ في عصره عَلَيْهِ السَّلَامُ) ] فظهر ارتباط الآية بما قبلها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: هم أهل الْكتَاب الَّذينَ في عصره عَلَيْهِ السَّلَامُ، وإنما حملهم عَلَى الَّذينَ في عصر النبي
عَلَيْه الصَّلَاةُ [والسلام] فظَاهر الآية إخبار عن الْمَاضين المنقرضين [لأن] قوله عز وعلا:(فبشرهم
بعذاب أليم)إنذار ولا معنى لإنذار الْمَاضين فتوجه سؤال وهو أن الحاضرين
في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قتلوا النبيين فما معنى إنذارهم عَلَى القتل؟ فأجاب عنه بقوله قتل [أولهم]
وحاصله أنه جعل الرضاء بالقتل والقصد به قتلًا تجوزًا، فعلى هذا الْمُرَاد بالَّذينَ يكفرون المعهودون
وهم الَّذينَ كَفَرُوا بآيات الله في عصر النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لا الجنس. قوله وقد سبق مثله في سورة البقرة في
تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) قال هناك
وإنما أسنده إليهم لأنه فعل آبائهم وأنهم [راضون] به عازمون. قال القطب وإسناد يقتلون إليهم ولم
يصدر عنهم قتل لوَجْهَيْن: أحدهما أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت إضَافَتها إليهم
إذ صنع الأب قد يضاف إلَى الابن لا سيما إذا كان راضيًا به. الثاني أنهم كانوا يُريدُونَ قتل النبي
والْمُؤْمنينَ إلا أن الله تَعَالَى عصمهم منهم فأطلق هذا الاسم عليهم كما نقول النَّار محرقة والسم
قاتل بمعنى أن من شأنهما ذلك إذا وجد القابل. فهَاهُنَا أَيْضًا شأنهم القتل إن لم يوجد مانع أو نقول
أُريد الاسْتمْرَار من الزمان الْمَاضي إلَى الزمان المستقبل كما في قولهم فلان يقري الضيف ويحمي
الحريم. وعن [أبي] عبيدة بن الجراح قلت يا رسول الله: أي النَّاس أشد عذابًا يَوْم الْقيَامَة؟ قال:"رجل قتل"
نبيًا ، أو رجلًا أمر بمعروف ونهى عن منكر"ثم قرأها ثم قال يا أبا [عبيدة] قتلت بنو إسْرَائيل ثلاثة"
وأربعين من أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة واثنا عشر رجلًا من عُبَّاد بَني إسْرَائيلَ فأُمرُوا
قتلتهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جَميعًا من آخر النهار. قوله والفرق أنه لا يغير معنى
الابتداء فكان دخولها كلا دخول، بخلاف (ليت) و (لعل) فإنهما لو كانتا مكان (أن) لامتنع إدخال الفاء
لتغير معنى الابتداء فإن مؤدى أن زيدا قائم بعينه مؤدي زيد قائم بزيادة تأكيد المؤدي بخلاف قولك
ليت زيدًا قائم ، ولعل زيدًا قائم. فإن مؤداهما ليس بمؤدي زيد قائم، وهذا الفرق لمجوز دخول الفاء
في خبر إن دونهما لا للمانع فإن المانع لم يفرق بين أن وبَيْنَهُمَا في عدم الجواز. قوله يدفع عنهم
العذاب الْمُرَاد كل واحد وإلا فالأنسب أن يقول يدفعون. قوله ومِنْ لِلتَّبْعِيضِ أو البيان يعني يجوز أن