قوله: (وقَوْلُه تَعَالَى:(أُعدَّتْ للْكَافرينَ) دل عَلَى أن النَّار مخلوقة معدة الآن لهم) أي
دلالة غير قطعية وهذا مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة ودليلهم قَوْلُه تَعَالَى:(تلك الدار
الْآخرَة نجعلها)الآية. فتعارض الدليلان فبقي قصة آدم وحواء عليهما
السلام سالمًا عن المعارضة، وتمام تفصيله مذكور في علم الْكَلَام، وقد سبق الإشَارَة إلَى أن
النَّار أعدت بالذات للكفار، وأما عصاة الموحدين فلا يخلد فيها ولا يعذب بأشد العذاب ولا
بالعذاب المهين بل عذابهم للتنقيح واستعداد دخول المقام الأمين؛ إذ الطارئ عَلَى صاحب
الدار ليس مثله في لزوم سكناها وتلبسه بما فيها لتطفله عليها، وكذا قيل. وفيه ما لا يخفى.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَبَشّر الَّذينَ آمَنُوا وَعَملُوا الصَّالحات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْري منْ تَحْتهَا
الْأَنْهارُ كُلَّما رُزقُوا منْها منْ ثَمَرَةٍ رزْقًا قالُوا هذَا الَّذي رُزقْنا منْ قَبْلُ وَأُتُوا به مُتَشابهًا
وَلَهُمْ فيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فيها خالدُونَ (25)
قوله: (عطف عَلَى الْجُمْلَة السابقة، والمقصود عطف حال من آمن بالْقُرْآن العظيم ووصف ثوابه، عَلَى حال من كفر به، وكيفية عقابه) أي مجموع قَوْلُه تَعَالَى:(وإنْ كُنْتُمْ في ريب
مما نزلنا)الآية. والْمَعْطُوف مجموع قَوْلُه تَعَالَى: (وَبَشّر الَّذينَ آمَنُوا) إلَى
قوله: (خالدون) إذ هذا من قبيل عطف القصة عَلَى القصة وهو بعطف
جعل متعددة مسوقة لمقصود عَلَى مجموع جعل أخرى مسوقة لغرض آخر، فلا يطلب فيه
التناسب في الخبرية والإنشائية ولا المشاركة في آحاد جملها، بل يطلب التناسب بين
القصتين، وإلى هذا التَّفْصيل أشار المص بقوله [والمقصود] عطف حال من الخ. للإشَارَة إلَى أن
المعتبر في عطف القصة عَلَى القصة تناسب القصتين في الغرض المسوق له كل واحد من
القصتين، وهنا كَذَلكَ؛ إذ بين الغرضين تناسب تضاد؛ إذ حال من آمن الإيمان بالْقُرْآن في الدُّنْيَا
والتنعم بنعيم الجنان في العقبى وحال من كفر [بالْقُرْآن العذاب] بالنيران في دار
الانتقام، والإيمان والتنعم عند الكفر والتألم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: عطف عَلَى الْجُمْلَة السابقة وهي قوله: (فإن لم تفعلوا) إلَى قَوْله:(أعدت
للكافرين)وقوله والمقصود الخ. بيان الجهة الجامعة بين الجملتين مع اخْتلَافهما خبرًا
وإنشاء. والحاصل أن هذا العطف لا يتعلق باللَّفْظ حتى يطلب به مشاكل من أمر أو نهي بل هُوَ عطف
معنوي فإن مفهوم الْجُمْلَة الأولى وصف عقاب الْكَافرينَ، ومفهوم الْجُمْلَة الثانية وصف ثواب الْمُؤْمنينَ
وبعضهم جعل هذا نظير قوله فيما سبق [وقصة] الْمُنَافقينَ من آخرها مَعْطُوفة عَلَى [قصة] الَّذينَ كَفَرُوا كما
تعطف الْجُمْلَة عَلَى الْجُمْلَة، وقد تقدم أنه عطف جعل مسوقة لغرض عَلَى جملة مسوقة لآخر، والمعتبر
فيه التناسب بين القصتين لا بين جعل القصتين. وقال التحقيق في ذلك إنه نظر ما يقال في عطف المفرد
في مثل قَوْلُه تَعَالَى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخرُ وَالظَّاهرُ وَالْبَاطنُ) أن الواو الوسطى تعطف
مجموع الصفتين الأخريين عَلَى مجموع الأوليين، ألا ترى أنك لو اعتبرت عطف الظَّاهر بالاستقلال عَلَى
واحدة من الأوليين لم يبق التناسب، فكما صح ذلك في المفردات صح في الجمل أن يكون الواو لعطف
مجموع جعل عَلَى مجموع مجمل مثلها وهذا كلام حسن.