الذي أحرى بالْجَزَاء الافتداء بملء الْأَرْض بدون الافتداء بمثله معه فإنه بعدم القبول أولى.
وينكشف منه أنه لو قيل والنقيض الذي أولى بالحكم الافتداء بملء الْأَرْض فضة مثلًا ليتم
الْكَلَام فلا يحتاج إلَى طول البيان.
قوله: (والمثل يحذف ويراد كثيرًا لأن مثلين في حكم شيء واحد) أي عند قام القرينة
نحو أبو يُوسُف أبو حنيفة والقرينة هنا قَوْلُه تَعَالَى: (ولو أن للَّذينَ ظلموا) الآية.
لكنها قرينة مصححة لا موجبة يسوغ عدم تقدير المثل ويراد كثيرًا. أي فيما صح الْمَعْنَى بدونه
نحو مثلك لا يخل. والبعض حمل يراد عَلَى أنه من الإرادة والأول موافق لما في الكَشَّاف.
قوله: (مبالغة في التحذير وإقناط لأن من لا يقبل منه الفداء ربما يعفى عنه تكرمًا)
فتكون هذه الْجُمْلَة للتكميل والاحتراس.
قوله: (في دفع العذاب. ومن مزيدة للاسْتغْرَاق) إشَارَة إلَى أن النصرة مختصة بدفع
الضرر، والْجُمْلَة الاسمية لدوام السلب وكون كلمة من مزيدة للاسْتغْرَاق ليس بمختص
بالمفرد، والْمُرَاد بالاسْتغْرَاق اسْتغْرَاق الناصر مع اسْتغْرَاق الزمان لمعونة المقام.
قَوْلُه تَعَالَى: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ
عَلِيمٌ (92)
قوله:(أي لن تبلغوا حَقيقَة البر الذي هُوَ كمال الخير أو لن تنالوا بر الله الذي هُوَ
الرحمة والرضى والجنة)أي الذي يستحق أن يسمى برًا عَلَى أن اللام للجنس مرادًا به الفرد
الكامل، كما قال الذي هُوَ كمال الخير فقوله لن تبلغوا معنى لن تنالُوا حَقيقَة البر. معنى لام
الجنس فيلزمه كون فاعله بارًا وعن هذا فسره الزَّمَخْشَريّ بـ لن يكُونُوا أبرارًا، ومثل هذا يراد
به إنشاء الترغيب؛ إذ المال شقيق الروح وبذله أصعب فلا ينافي وجود عمل أفضل من
الإنفاق، وأَيْضًا لا إشكال بأن البر لا يتحقق بمجرد الإنفاق بل يحتاج إلَى تحقق سائر
المبرات؛ إذ البر هُوَ التوسع في الخير.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لن تبلغوا حَقيقَة البر. قال صاحب النهاية: البِّر بالكسر الإحسان والبَّر بالفتح من أسماء
الله تَعَالَى العطوف عَلَى عبادة ببره ولطفه. وقوله حَقيقَة البر إشَارَة إلَى أن اللام في البر لتعريف
الْحَقيقَة، وقوله: ( [لَنْ] تَنَالُوا) بر اللَّه مبني عَلَى أن اللام فيه عوض عن الْمُضَاف
إليه. وقيل يكون حِينَئِذٍ للعهد والمعهود ثواب الله وهو قول ابن مسعود وابن عبَّاس ومجاهد، والْقَوْل
الأول قول الحسن. وفي الكَشَّاف (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) حتى تبلغوا حَقيقَة البر(ولن
تكُونُوا أبرارًا)قال بعض الشارحين: ثم التعريف في البر إذا حمل عَلَى الجنس كان التركيب كناية
عن كون عامله بارًا؛ ولهذا أوقع قوله: (ولن تكُونُوا أبرارًا) تفسيرا لقوله (لن تبلغوا) حَقيقَة البر
وأوقع لن تبلغوا حَقيقَة البر تفسيرا لقَوْله تَعَالَى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) .