قضينا فهو مَعْطُوف عَلَى قسم وهو وإن لوحظ فيه الوحي لكن معنى القضاء باقٍ كما عرفته
فأجري القضاء جرى القسم في تلقيه بما يتلقى به القسم ؛ إذ القضاء المقطوع به مثل القسم
في تأكيد الحكم كأنه قيل واقتسمنا، ولا يخفى أنه تكلف وذكر في الْأَرْض مع أن الإفساد لا
يكونًا إلا في الْأَرْض لشيوع شؤم فسادهم إلَى جميع الْأَرْض .
قوله: (إفسادتين) نبه به عَلَى أن مرتين منصوب عَلَى أنه مَفْعُول مطلق لتفسدن من
غير لفظه لا أنه منصوب عَلَى الظرفية في القاموس المرة الفعلة الواحدة .
قوله: ( [أولاهما] مخالفة أحكام التَّوْرَاة وقتل شعياء) مخالفة أحكام التَّوْرَاة بترك عمل
ما فيها أو العمل بخلاف ما فيها وقتل شعياء بوزن فعلاء نبي بعثه اللَّه تَعَالَى بعد مُوسَى
عَلَيْهِ السَّلَامُ فقتله اليهود قاتلهم الله وما نقل عن الْقُرْطُبيّ نقلًا عن ابن إسحاق أنه قال لما
بلغ إليهم الوحي أرادوا قتله فهرب ودخل شجرة انفلقت له فوضعوا المنشار في وسطها
فقتلوه لا يناسب نقل مثل هذا المقال والمساغ نقل قتله مع تردد فيه ؛ إذ المنصوص في
الْقُرْآن أن اليهود قتلوا بعض الأناء عليهم السلام، وأما التعيين فغير مقطوع به فضلًا عن
طريقه فمثل هذا السبب الموحش لا يَنْبَغي نقله ولا بيانه، ولذا قال في بعض النسخ. وقيل
أرميا بضم الهمزة وتشديد الياء عَلَى ما اختاره الكَشَّاف وبتخفيف الياء وضم الهمزة وكسرها
على ما اختاره غيره كان في زمن بختنصر بينه وبين زكريا أكثر من مائتي سنة [ويرده] قول
الكَشَّاف قتل زكريا مما في المرة الأولى وضم إليه حبس أرميا معاصر لزكريا والأولى
السكوت في التعيين لأنه لا يتعلق به الغرض مع أنه ليس بمنصوص .
قوله: (وثانيهما قتل زكريا ويحيى وقَصْدُ قتل عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ) وثانيهما قتل زكريا
وهو مختلف فيه حتى قال ابن إسحاق: إن زكريا مات موتًا ولم يقتل وقتل يَحْيَى وفيه اتفق
العلماء. وفي الكَشَّاف: هذا فيمن جعل هلاك زكريا قيل يَحْيَى مراده أن قوله صاحب الكَشَّاف
قتل زكريا مما في المرة الأولى فيمن جعل هلاك زكريا قبل هلاك يَحْيَى وعدل عنه
الْمُصَنّف فجعله مما في المرة الثانية .
قوله: (ولتستكبرن عن طاعة الله تَعَالَى أو لتظلمن النَّاس) معنى العلو الارتفاع حسيًا
كان أو معنويًا فيجوز هنا عن الاستكبار عن طاعة الله وعن هذا قيد لـ عُلُوًّا كَبِيرًا. قوله أو تظلم
النَّاس فالعلو مجاز عن الاستيلاء عَلَى النَّاس والتكبر عليهم فلفظة (أَوْ) لمنع الخلو .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ
الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5)
قوله: (وعد عقاب [أولاهما] ) بتقدير الْمُضَاف وهو العقاب الدنيوي والوعد هنا بمعنى
الوعيد كقَوْله تَعَالَى: (وعد الله الْمُنَافقينَ) الآية.