وزعموا أن ما صدر منهم إصلاح فلا جرم أنه ليس فيهم فلاح، وأما احتمال كونه كذبًا محضًا
من خير تأويل لخوف الْمُسْلمينَ المخلصين فبناء عَلَى أن لهم تمييزًا بين السمين والسقيم
وأنت خبير بأن ذلك لمن له قلب سليم وقد بانَ فساد قلوبهم وعلة مزاجهم بالنص الكريم فلا
مجال لهذا الاحتمال عَلَى أنه قاصر عن بيان كمال شدة شكيمتهم عَلَى الإجمال، وأما كونه
مخادعة فضعيف؛ لأن النهي عن الإفساد بعد ظهور حالهم ومعرفة مخادعتهم فَكَيْفَ يُريدُونَ
بذلك الخداع مع أنهم نهوا عنه في ضمن النص عن الإفساد، كَمَا صَرَّحَ به الْمُصَنّف في تعداد
الفساد فلا يوجد احتمالات أخر غير ما ذكره حتى يقال ولم ينظر الْمُصَنّف إلَى احتمالات
أُخر كالكذب والمخادعة إلَى غير ذلك وإلى ما ذكرناه أشار بقوله(لما في قُلُوبهمْ من
المرض)أي المرض الحقيقي فإنه الباعث لذلك التصور ولما جاز أن يقال إنه لم لا يجوز أن
يراد المرض المجازي فلا يكون باعثًا للتصور الْمَذْكُور أَشَارَ إلَى دفع ذلك بقوله(كما قال الله
تَعَالَى)فإن هذا الْقَوْل الكريم نص في ذلك الْمُرَاد وإن أريد من المرض مَجَازًا فإنه أَيْضًا عند
الاستيلاء يمنع التمييز والإدراك عَلَى وجه الصواب ويؤيد ما قلنا قول الْمُصَنّف في تفسير قوله
تَعَالَى: (أَفَمَنْ زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَله فَرَآهُ حَسَنًا) أي أفمن زين له سوء عمله بأن
غلب وهمه وهواه عَلَى عقله حتى انتكس رأيه فرأى الباطل حقًا والقبيح حسنًا انتهى. وإذا
لوحظ الختم عَلَى قُلُوبهمْ بمقتضى نفاقهم وسائر عصيانهم فالأمر واضح في شأنهم.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسدُونَ وَلَكنْ لَا يَشْعُرُونَ(12)
قوله: (رد لما ادعوه أبلغ رد) فإنهم لما ردوا الناصح عَلَى سبيل المُبَالَغَة رد الله تَعَالَى
لما ادعوه أبلغ رد إظهارًا لشدة المقت عليهم (للاسْتئْنَاف به) الْمَعَاني فإن جملة (ألا إنهم)
الخ. مُسْتَأْنَفَة فإنه يقصد به زيادة تمكن الحكم في ذهن السامع لوروده بعد السؤال؛ إذ حصول
الشيء بعد الطلب يكون فيه فضل تمكن في القلب والسؤال عن سبب خاص للحكم أي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: للاسْتئْنَاف به وجه دلالة الاسْتئْنَاف عَلَى المُبَالَغَة أن المقصود بالاسْتئْنَاف تمكين
الحكم في ذهن السامع فضل تمكن لكونه حاصلًا بعد الطلب والسؤال وذلك أن ادعاءهم الإصلاح
لأنفسهم عَلَى ما ادعوه مع توغلهم في الإفساد مما يشوق السامع أن يعرف ما حكم الله تَعَالَى
عليهم فكان ورود الْجَوَاب هكذا أي عَلَى طريق التشويق يفيد المُبَالَغَة فإن الشيء الحاصل بعد
الطلب أعز من المنساق بلا تعب.