التمحل قوله بعد أخرى إشَارَة إلَى معنى الفاء وثم؛ إذ البعدية مننظم فيهما سواء كان مع
التراخي أو التعقيب، وهنا كثرة التكرار مراد من غير نظر إلَى التعقيب والتراخي والخطاب
لمزيد العتاب.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)
قوله. (مهملًا لا يكلف ولا يُجازَى) مهملًا معنى سدى لا يكلف في الدُّنْيَا ولا
يُجازَى في الْآخرَة وإنكاره الْآخرَة فاللام في الْإنْسَان للعهد أي منكر البعث أو للجنس
فيكون إسناد ما للبعض إلَى الكل مَجَازًا، والاسْتفْهَام للإنكار الواقعي أي هذا الحسبان واقع
منه لكنه ليس عَلَى ما يَنْبَغي بل أشنع من كل شنيع.
قوله: (وهو يتضمن تكرير إنكاره للحشر والدلالة عليه) نبه به عَلَى أن فَائدَة ذكر ما
بعد قوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ [نَجْمَعَ عِظَامَهُ] ) الخ. أنه ينكر الخبر وهنا يتضمن
تكرير إنكاره للحشر ويتضمن أَيْضًا الدلالة عليه أي عَلَى وقوع البعث فضلًا عن إمكانه.
قوله:(من حيث إن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح، والتكليف لا
يتحقق إلا بالمجازاة وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الْآخرَة)من حيث إن الْحكْمَة
تقتضي التكاليف ثم الْجَزَاء خيرًا كان أو شرًا. أما الأول فلئلا يكون الخلق عبثًا قال تَعَالَى:
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) وأما الثاني فلأن التكليف
لا يكون إلا بمجازاة لئلا يكون التكليف عبثًا خاليًا عن المصلحة والمنفعة وقد ثبت أنه
تَعَالَى حكيم لا يفعل إلا بما فيه حكمة بالغة ومنفعة تامة وإن لم نطلع عليها، والمجازاة قد
لا تكون في الدُّنْيَا لأنها دار التكليف لا دار الْجَزَاء فكلمة قد للتحقيق، أو الْجَزَاء قد يقع في
الدُّنْيَا بإعطاء أنواع النعم في مقابلة المبرات، أو بابتلاء بعض المصائب للكفارات، هذا في
حق الْمُؤْمنينَ، وأما في حق الْكَافرينَ فالابتلاء بالفقر التام والأمراض الدائمة في عموم
الأوقات فحِينَئِذٍ يكون قد للتقليل، والمعول هُوَ الأول. قوله الأمر بالمحاسن الخ. ظاهره لا
يوافق مذهبه لأن الحسن والقبح بعد الأمر والنهي فلا تغفل.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى(37)
قوله: (أَلَمْ يَكُ) أي ألم يكن حذف النون من غير قياس تشبيهًا بحروف العلة لروم
التخفيف. والاسْتفْهَام لإنكار النفي وإثبات المنفي. أي قد كان الْإنْسَان نطفة بمعنى إن مادته
نطفة خلق منها قوله: (مِنْ مَنِيٍّ) بيان للنطفة باعْتبَار وصفه وهو يعني أي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وهو يتضمن تكرير إنكاره للحشر. أي إنكار الْإنْسَان للحشر والدلالة عليه وجه
التضمن تكرير (أيحسب الْإنْسَان) ووجه الدلالة عَلَى ثبوت الحشر أن الآية عَلَى
التكليف والمجازاة عَلَى الْأَعْمَال والمجازاة قد لا تكون في الدُّنْيَا فلا بد أن تكون في يوم
الْآخرَة يوم الحشر.